مقالات

من عزيز ضياء… إلى ضياء عزيز

4 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

عبدالله آل سالم القحطاني

لم أكن أتوقع أن أمسية تكريم فنية ستفتح أمامي بابًا واسعًا من الذكريات. فقد تشرفت قبل أسيوعين بحضور حفل إعلان الفائزين في جائزة ضياء عزيز ضياء للبورتريه، على مسرح جامعة الأعمال والتكنولوجيا، التي حملت في نسختها التاسعة عنوان:( الملك سلمان.. الإنسان والإنجاز) 

وذلك برعاية صاحب السمو الأمير فيصل بن عبدالله بن محمد آل سعود ، وحضور رئيس مجلس أمناء الجامعة الدكتور عبدالله صادق دحلان ، واستقطبت مئات الفنانين من مختلف مناطق المملكة، في مشهد يعكس ما تشهده الحركة التشكيلية السعودية من تطور وازدهار.

وبينما كنت أتأمل اللوحات التي جسدت شخصية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وجدتني أعود فجأة إلى اسم آخر من أيام الزمن الجميل … عزيز ضياء.

عاد بي الزمن إلى طفولتي، حين كنت أنتظر والدي -رحمه الله – كل مساء بفارغ الصبر عند عودته من عمله، حاملاً صحف اليوم ومجلات الأسبوع. كنت أقرأها بشغف، ثم نجلس معًا نتبادل الحديث حول الأخبار والمقالات، دون أن أدرك أن تلك اللحظات كانت تؤسس لعلاقة سترافقني مع القراءة طوال حياتي.

وكان والدي كثيرًا ما يذكر الكاتب عزيز ضياء بإعجاب شديد، ويصفه بأنه من ألمع الكتّاب السياسيين وأكثرهم ثقافة وعمقًا، وظل الاسم راسخًا في ذاكرتي. وبدأت أقرأ مقالاته منذ الطفولة، ورغم أن كثيرًا من موضوعاتها السياسية كان يفوق مستوى إدراكي في ذلك الوقت، إلا أنني كنت أتعلم وبدأت ألمس فيها رصانة الفكر، وقوة الحجة، واحترام الكاتب لعقل قارئه. وتعودت من وقت مبكر على قراءة جميع مقالات وتحليلات الكتاب السعوديين وغيرهم من الكتاب العرب، الذين كنت أتابع كتاباتهم وأعمدتهم الصحفية في الصحف والمجلات المصرية وفي وقت لاحق كانت صحيفة الشرق الأوسط تستضيف النخبة منهم، وكنت أحرص على اقتناء ما استطعت الوصول اليه من كتبهم وانتاجهم الأدبي والسياسي واستمتع بالقراءة لهم .

كان عزيز ضياء من رواد الصحافة السعودية، لكنه لم يكن صحفيًا فحسب؛ فقد عمل في الإذاعة مذيعًا ومعلقًا سياسيًا وكاتبًا للبرامج، كما كان مترجمًا بارزًا نقل أعمالًا من الأدب العالمي إلى العربية، مستفيدًا من إتقانه الإنجليزية والفرنسية والتركية، وهو ما منح كتاباته بعدًا ثقافيًا وإنسانيًا مميزًا. ومن أبرز مؤلفاته سيرته الأدبية (حياتي مع الجوع والحب والحرب)، التي تعد من أهم السير الذاتية في الأدب السعودي، وقد عمل في عدد من الوظائف الحكومية منها مدير عام الخطوط الجوية العربية السعودية . وتوفي رحمه الله في 7 ديسمبر 1997م

أما ابنه الفنان التشكيلي ضياء عزيز ضياء، فقد ترك هو الآخر بصمة فنية خالدة، ويكفي أنه صمم بوابة مكة الشهيرة على طريق جدة – مكة، ذلك المعلم الذي يجسد المصحف الشريف على حامل، وأصبح أحد أبرز الرموز العمرانية التي تستقبل ملايين الحجاج والمعتمرين في طريقهم إلى العاصمة المقدسة. واليوم يواصل عطاؤه من خلال جائزة تحمل اسمه، وتحتفي بالمواهب في فن البورتريه، وتغرس في الأجيال الجديدة قيمة الإبداع والتميز.

وأنا أغادر الحفل، شعرت أنني لم أحضر مجرد مناسبة تكريم فنية، بل رحلة بين أجيال من العطاء. ففي القاعة حضرت شخصية الملك سلمان في اللوحات، وفي الحاضر تجلت بصمة الفنان ضياء عزيز ضياء، وفي الذاكرة عاد إليّ الكاتب الكبير عزيز ضياء، وفي القلب كان والدي، الذي غرس في نفسي حب القراءة، وفتح لي منذ الصغر أبواب الصحافة والفكر والثقافة.

حينها أدركت أن الأوطان لا تُبنى بالإنجازات وحدها، بل بالإنسان الذي يصنعها؛ قائدٌ يُلهم، ومفكرٌ يُنير، وفنانٌ يُجمل، وأبٌ يغرس حب المعرفة. وعندما تجتمع هذه القيم في وطن واحد، فإنها تصنع ذاكرةً لا يطويها الزمن، وتبقى إرثًا تتناقله الأجيال بكل فخر وامتنان.

…………

alamhar@hotmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com