شاهدٌ على الوجود

بقلم: صفاء الأحمد
توقفتُ فجأة وأنا أراجع كتابي الجديد.
استوقفني الفراغ الذي يفاجئني كلما اقتربت خاتمة عمل أدبي، حتى يخيل إليّ أنني لا أفرغ من كتاب، وإنما أفرغ من شيء اقتُطع من نفسي. فأشعر وكأنّي أدفع بسرّ من أسراري إلى أيد لا أعرفها، ثم أقف عاجزة عن استرداده، فأبكي.
ومن هذا الشعور وُلِد السؤال:
ما جدوى أن نكتب؟
إذا كانت الغاية التي ينتهي إليها الإنسان واحدة، وإذا كان الموت سيبتلع الكاتب كما ابتلع الأنبياء والملوك والشعراء والعشاق، فما الذي يحمل المرء على أن يقضي عمره كله في مطاردة جملة يظنها أصدق من سائر الجمل؟ وما شأنه بمن سيولد بعد قرن أو قرنين؟ وأيّ فرق يحدثه أن تبقى كتبه على الرفوف أو تذروها الرياح كما ذرت أسماء كان يملأ صيتها الدنيا؟
ربّما يحبّ الإنسان لأنه يرجو أن تستبقيه نفسٌ أخرى بعد أن يعبر، ويغرس شجرة، ويبني بيتًا، ويربّي ولدًا، ويودع في الأرض ما يستطيع من آثاره، كأنما يُفاوض النسيان على هدنة قصيرة… ويكتب لأنه يطلب شاهدًا على وجوده!
غير أن الوجود لا يعقد هدنة مع أحد.
وهنا تذكّرت عبارة قاسية وصادقة:
الحياة لا تقف على أحد.
إنها تمضي ببرود، وهذا وحده كافٍ لأن يُزلزل يقين الإنسان بنفسه.
إذن، الذي يفجعنا في النهايات هو استمرار العالم بعد انقضاء الأشياء كأن شيئًا لم يقع.
عندئذ ينكشف لنا ضعف الصورة التي صنعناها لأنفسنا حين توهّمنا أننا موضعٌ لا يقوم البناء إلا به، فإذا بالبناء يستوي قائمًا بعد غيابنا.
وحين يظهر أثر انهدام الوهم الذي كنا نقيم عليه معنى وجودنا، نبدأ الكتابة رغبةً في احتمال هشاشتنا.
وعند هذه العتبة وحدها فهمتُ الكتابة؛ لم تعد بالنسبة لي رسالة أو وسيلة إلى الخلود، ولا سعيًا إلى قارئ مجهول سيأتي بعد عشرات السنين، صرت أراها أثرًا من آثار خوف الإنسان الأول.
نحن لا نكتب لنغلب الفناء؛ فالفناء لا يُغلب، ولا نكتب لأننا نثق بأن الكلمات أبقى منا.
نحن نكتب لأن الكتابة الصورة الأخيرة لمقاومة الموت بطريقة لا تغير نظام العالم، ولا تؤخر النهاية، لكنها تمنع الإنسان من أن يغادر صامتًا.
ربما لهذا كانت الكتابة وهمًا جميلًا يمنحنا القدرة على احتمال الحقيقة.
أما الحقيقة فهي أن الحياة لن تتوقف إذا انطفأنا، وأن الأيام ستتابع دورانها غير عابئة بما انكسر في دواخلنا، وأن أسماءنا ستغدو يومًا ما، غبارًا آخر في ذاكرة هذا الكون.
لستُ أعلم إن كان هذا المقال سيبقى، ولا إن كان كتابي سيعني أحدًا بعد أعوام طويلة.
ربما لن يعني شيئًا!
غير أنني أدرك الآن وأنا أراجع صفحات كتابي، أنني كنت أراجع خوفي القديم من المحو.
ربما لهذا السبب نكتب ونحب ونُحسن ونصدق، لأن الإنسان لا يليق به أن يدخل صمته الأخير قبل أن يقول للوجود مرة واحدة على الأقل، ما استطاع أن يقوله عن نفسه.



