مقالات

“القطيعة.. حين يكون الفراق شكلا آخر للحب”

49 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

قراءة / فاطمة عبدالله الدوسري

رواية “قطيعة العاشقين ” عمل أدبي حديث للكاتب السعودي سلطان منيف تم تدشينها خلال معرض الرياض الدولي للكتاب 2025 ،  موزعة على إحدى عشر فصلا ، وتقع في ثلاثمائة وخمسة وسبعون صفحة…

في العادة حين أقرأ عملاً أدبيًا لا أخرج منه كما دخلته، إذ يترك في داخلي شيئًا من روحه وربما أترك عنده شيئًا من ذاكرتي. فمن هذه المسافة الحميمة بيني وبين النص تنطلق قراءتي الانطباعية، محاولةً استعادة ما أثاره العمل من تأملات، وما خلّفه من أثر في الوجدان والفكر.

توقفت طويلا عند العتبة الأولى للنص عندما بدأت قراءة رواية “قطيعة العاشقين” ، وغالبا ما يحدث معي هذا الأمر، فالعنوان يحمل كثافة دلالية لافتة، لأنه لا يختار كلمة “فراق” أو “هجر”، بل كلمة “قطيعة”.
لما رأيته من فرق نفسي وأدبي كبير بينهما، ف”الفراق” قد يكون ظرفًا أو قدرًا، أما ” القطيعة تأتي من فعل إرادي يحمل جرحًا وكبرياءً وقرارًا نهائيًا.

جاء العنوان منذ البداية يوحي بأن الرواية لا تتحدث عن حب رومانسي بسيط، بل عن علاقة وصلت إلى مرحلة الانكسار الكامل؛ حيث يتحول الحب نفسه إلى مساحة صمت أو خصومة أو اغتراب.

كلمة “العاشقين” ليست بريئة لغويًا؛ فهي تُضفي على الشخصيتان الرئيسيتان ( سارة وطلال) بُعدا قدريا، كأنهما ليسا مجرد “حبيبين”، بل شخصين غاصت مشاعرهما في لجة العشق حتى صار هويتهما الأساسية. وهنا تظهر المفارقة المؤلمة: كيف يمكن لعاشقين حقيقيين أن يصلا إلى مرحلة القطيعة؟ هذه المفارقة منحت العنوان قوته الشعرية.

ومن زاوية رمزية، يمكن قراءة العنوان كأنه لا يتحدث فقط عن شخصين، بل عن: قطيعة الإنسان مع ذاكرته، أو مع براءته الأولى، أو حتى مع ذاته القديمة.

تبدأ الرواية من الطفولة، وعلاقة سارة مع طلال، ثم تنتقل تدريجيًا إلى التعقيد النفسي والأسئلة الوجودية. وقد يوحي العنوان للقارئ بتعبيرات مثل “لوعة العاشقين” أو “هجر المحبين”. وهذا يمنحه طابعًا وجدانيًا بامتياز.

كذلك يمكن تخيل أن الرواية تتحرك داخل سؤال وجودي قريب من هذا المعنى:

هل تنتهي العلاقات لأن الحب انتهى فعلًا، أم لأن البشر يعجزون عن حمله حتى النهاية؟ وهل يحق لأي كان أن يبتر المشاعر بسكين قرار حاد نتيجة ردة فعل لتصرف جاءت نتيجة تراكمات معقدة لعلاقات اجتماعية فرضت هيمنتها على التابعين؟

هذا النوع من الأسئلة هو ما جعل العنوان ناجحًا أدبيًا؛ لأنه يفتح باب التأويل قبل قراءة الصفحة الأولى، والدخول في لجة الصراع الذي بدا منذ الطفولة يطل كالشبح بهدوء على تقارب روحي تتفتح براعمه في نفوس غضة.
ولعل هذاما يميز الرواية فهي تبدأ من عالم الطفولة والبراءة ثم تنتقل تدريجيًا إلى أسئلة أكثر تعقيدًا حول الحياة والأسرار والعلاقات الإنسانية.
لم يضع الكاتب عناوين للفصول، واعتقد أن الأستاذ سلطان اعتمد هذه الاستراتيجية حتى يثير فضول القارئ لاكتشاف مسار الأحداث بنفسه.

بشكل عام يميل أسلوب سلطان منيف إلى اللغة الوجدانية والتأملية، حيث يغلب الحس الشعوري واللغة العاطفية المكثفة

وهذه الاقتباسات تقترب من المزاج العاطفي الذي يوحي به عنوان “قطيعة العاشقين”:
الوحدة، الذاكرة، والبرد العاطفي بعد انطفاء العلاقة:

“بدأت سارة تزداد غيرتها عليه وتكثر مبادراتها في خلق الأعذار لمصادفته وعيونها استفاضت عشقا، وكذلك هو بطريقة عير مباشرة، ابتسامته رد جواب لعينيها وإنها مسألة وقت ويجتمع العاشقان” ص38.

“نزلت وتجولت بين الورود والأزهار وقررت تأخذ تشكيلة جميلة منها، مع كرت لتكتب عليه الإهداء … آنذاك تذكرت حبيبها طلال الكاتب، لكنها حاولت ألا تعطي المجال لاسترسال أفكارها مع حبيبها” ص 147.

” هذا موعد زواج ابنة عمه، وهو في عمله يجاهد شعوره.
عند الحادية عشرة كان زياد في طريقه إلى زوجته سارة، تلك المبتسمة والتي بداخلها حزن كبير، كانت ليلة حالكة في وطن العاشقين، لكنه النصيب” ص 187.

” والرسالة الأخيرة كأنها أكدت قطيعة العاشقين أنه أمر محتم ولكنه سيبدأ من طلال الذي انزعج من تصرف سارة وقال في داخله على الأقل هي زوجة عمك وشاركت في تربيتك، أطال النظر في الصورة ثم أغلق هاتفه وقال بصوت مسموع : يا حسافة” ص 253.

يعتمد ربط الأحداث على” المنولوج الداخلي” والحوار بين الشخصيات التي تتنقل بين الأحداث والمواقف، وترصد المشاعر بصورة مباشرة، مما يشكل سلسلة مترابطة رغم كثرة الشخصيات وما يدور من صراع.

في الواقع ليست هذه القراءة سوى محاولة لالتقاط بعض ما أفاض به النص من معانٍ وأحاسيس، أما التجربة الحقيقية فتظل رهنا بالقارئ نفسه. فالأدب، في نهاية المطاف، لا يمنحنا أجوبة جاهزة، بل يوقظ فينا أسئلة أجمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com