مقالات

لقاء يعيد لذاكرة جازان زمن الرجال العظام

عناق الوفاءُ بالتاريخ…

2 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

كتب: حمد دقدقي
ليست كل اللقاءات تُروى على أنها خبر، فبعضها يُكتب بوصفه فصلًا جديدًا من تاريخ الوفاء، ويُقرأ باعتباره شهادةً على زمنٍ كان الرجال فيه يصنعون المجد بصمت، ويكتبون الإنجاز بخطواتهم قبل أقلامهم.
وفي مشهدٍ إنساني بالغ الدلالة، حمل من المعاني أكثر مما حمل من الكلمات، التقى معالي الأستاذ الدكتور مدني بن عبدالقادر علاقي، وزير الدولة وعضو مجلس الوزراء السابق، بصديق العمر ورفيق مسيرة البناء الأستاذ محمد سالم العطاس، المدير العام السابق للتعليم بمنطقة جازان، في منزله بمدينة أبي عريش، بعد غياب امتد لأكثر من ربع قرن.

a6fec217 bb32 427e afee 6138be565df6ولم تكن تلك الزيارة مجرد لقاء اجتماعي بين شخصيتين وطنيتين، بل كانت عناقًا بين صفحتين ناصعتين من ذاكرة جازان، اجتمعتا على الإيمان بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار، وأن خدمة الوطن لا تنتهي بانتهاء المنصب، بل تبقى خالدة في الضمير، حيّة في وجدان الناس.
هناك… في منزلٍ احتضن الذكريات، عاد الزمن إلى الوراء، واستيقظت حكايات الأيام التي كان فيها الوصول إلى مدرسة في أعالي الجبال رحلةً بين الصخور والأودية، وكان افتتاح فصلٍ دراسي في قرية نائية إنجازًا وطنيًا يوازي أعظم المشروعات.
واستحضرت المجالس سيرة الأستاذ محمد العطاس، الرجل الذي لم يكن مديرًا للتعليم فحسب، بل كان مدرسةً في القيادة والتضحية. حمل همَّ التعليم على كتفيه، وعبر الوديان، وتسلق الجبال، وواجه السيول والعواصف، وسار على الأقدام، وامتطى الدواب حين غابت الطرق، ليصل إلى مدرسةٍ نائية أو معلمٍ ينتظر الدعم، مؤمنًا أن طفلًا واحدًا يتعلم في أقصى الجبل هو انتصارٌ لوطنٍ بأكمله.
وكانت الوزارة تستند إلى رأيه، وتستأنس بخبرته، ويثق بعقله كبار مسؤولي التعليم، حتى أصبح أحد أبرز القيادات التربوية الذين أسهموا في رسم ملامح التعليم في المملكة، وترك بصمةً لا تزال شاهدةً على مرحلةٍ تأسست فيها المدارس بالإرادة قبل الإمكانات.
وفي الجانب الآخر، تجلّت مسيرة الدكتور مدني علاقي، الذي حمل جازان في قلبه أينما ارتحل، فانطلق من مدارسها إلى رحاب الجامعات العالمية، حتى بلغ أعلى المراتب الأكاديمية والإدارية، أستاذًا جامعيًا، ثم وزير دولة وعضوًا في مجلس الوزراء، دون أن تغادره بساطة الإنسان، ولا وفاء الابن لأرضه الأولى.
ولعل أجمل ما في هذا اللقاء أنه لم يكن استعادةً للماضي بقدر ما كان احتفاءً بالقيم التي صنعت ذلك الماضي؛ قيم الإخلاص، والتواضع، والصدق، والعمل الذي لا ينتظر تصفيقًا ولا يبحث عن الأضواء، بل يكتفي برضا الله، ثم برؤية الوطن يكبر يومًا بعد يوم.
لقد أثبت الرجلان، كلٌّ في ميدانه، أن المناصب محطات، أما المبادئ فهي الباقية، وأن الألقاب الرسمية تنتهي، بينما تبقى السيرة الحسنة وسامًا لا يسقطه الزمن، ولا تنزعه الأعوام.
إن هذه الزيارة لم تُجدّد لقاء صديقين فحسب، بل أعادت إلى الذاكرة جيلًا كاملًا من الرجال الذين صنعوا نهضة جازان، يوم كانت الإمكانات قليلة، وكانت الإرادة أكبر من الجبال، وكانت المسؤولية عهدًا لا يُنقض، ورسالةً تُؤدى بكل إخلاص.
وما أحوج الأجيال اليوم إلى أن تتأمل هذه النماذج الوطنية، لتدرك أن التنمية لا تبدأ بالمشروعات وحدها، بل تبدأ بالإنسان الصادق، وأن الأوطان لا يخلّدها الحجر، وإنما يخلّدها الرجال الذين وهبوا أعمارهم لتظل رايتها عالية، ورسالتها مستمرة.
هكذا كان اللقاء… ليس بين مسؤولين سابقين، بل بين قامتين وطنيتين، كتبتا اسميهما في سجل الوطن بحروفٍ من الوفاء، وحفرتا في ذاكرة جازان سيرةً ستظل تُروى كلما ذُكر التعليم، وكلما ذُكر الإخلاص، وكلما سأل التاريخ: من هم الرجال الذين صنعوا المستقبل قبل أن تصنعه الطرق، وقبل أن تصل إليه وسائل الحياة الحديثة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com