هشاشتنا أمام لغز الإنسان

بقلم: صفاء الأحمد
وصلتني تسجيلاتها الصوتية، فضغطت زر التشغيل وأنا أظن أنني على وشك أن أعثر على المفتاح الذي سأدخل به إلى مقدمة كتابي النقدي الجديد الذي يتناول إحدى مجموعاتها القصصية.
كنت قد طلبت منها أن تحدثني عن حياتها؛ عن طفولتها ومحطاتها وعن تلك التفاصيل التي لا تظهر عادة في النصوص.
ظننت بسذاجة القارئ أحيانًا أن معرفة الكاتبة ستكون الطريق الأقصر إلى فهم كتابتها.
لكن مع كل دقيقة أصغي إليها يتسع داخلي السؤال، من أين أبدأ؟ وأيُّ حياة هذه التي يمكن أن تختزلها كلمات ولو جاءت من صاحبتها؟ وكيف أكتب عن إنسان أعرف سلفًا أن ما قاله عن نفسه أقل بكثير مما عاشه، وأن ما عاشه أقل تعقيدًا مما شعر به؟
أكثر ما يؤرقني أن أتوهم أنني أمسكت بالمؤلفة، وأنا في الحقيقة لم ألمس إلا ظلالها التي انعكست في النصوص.
فسيرة الإنسان لا تظهر فيما يرويه عن نفسه فحسب، إنها تظهر فيما يصمت عنه أيضًا وما عجزت اللغة عن حمله.
ولعل طبعي في الكتابة يشبه طباع العجائز في الحكايات؛ فما إن يبدأن قصة حتى تتشعب منها قصص أخرى.
أتوقف عن الكتابة أيامًا وأحيانًا أسابيع، لأمحّص وأقرأ وأعيد النظر.
وفي إحدى تلك الوقفات، بدأت أفتش في كتب السيرة الغيرية.
أردت أن أعرف كيف يكتب الناس عن بعضهم، وكيف يتجرأ كاتب على الاقتراب من حياة إنسان آخر.
فوقعت على كتاب ميخائيل نعيمة عن جبران خليل جبران، وكانت أول عبارة استوقفتني قوله إن أصعب ما يكتبه الإنسان هو حياته.
وإذا كانت النفس، وهي أقرب الأشياء إلينا، تستعصي على الوصف الكامل فكيف إذا حاولنا أن نكتب حياة إنسان آخر؟
شعرت بأنّي على وشك دخول مغامرة وجودية في أرض لا أملك خرائطها.
فنحن لا نرى إلا ما يتسرب من النوافذ… كلمة وإيماءة وصمتًا أو أثرًا تركته التجارب.
أما البيت الداخلي الذي لا يدخله سوى صاحبه، فيظل موصدًا حتى في وجه صاحبه أحيانًا.
ولعل الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يحمل تناقضاته كلها في الوقت نفسه فتبدو الذات البشرية نصًا مفتوحًا على تأويلات لا تنتهي، فكيف إذا أصبحت ذاتًا أخرى نحاول قراءتها من الخارج؟
وأنا أوشك على الانتهاء من عملي النقدي، أدركتُ أن النقد قراءة لما أفصح عنه العمل وما سكت عنه في آن واحد، ومحاولة لفهم الكيفية التي تحولت بها التجربة الإنسانية إلى بناء فني، لا ردّ النص إلى سيرة صاحبه.
ربما تكمن أمانة الناقد في اعترافه بحدود معرفته.
فاليقين الكامل ليس فضيلة في القراءة، قد يكون أول أشكال سوء الفهم.
أما الشك المنهجي، فهو الذي يترك للنص حقه في الاحتمال، وللكاتب حقه في أن يبقى أوسع من كل تفسير.
النصوص لا تكشف أصحابها بقدر ما تكشف هشاشتنا نحن أمام لغز الإنسان.
فالكاتب يكتب ليقترب من ذاته، والناقد يقرأ ليقترب من النص، لكن كليهما ينتهي إلى حقيقة مفادها أن الكتابة مجرّد محاولة نبيلة للاقتراب.



