
كنت في ساحة منزلي أرقب انتهاء النهار حين عصفت رياح باردة دون إنذار مسبق، تناثر على إثرها شعري الأشيب في كل الاتجاهات.
اختبأت خلف جدار البيت لعلها تهدأ قليلا، لكنها ظلت تشتد وتكنس كل ما يصادفها على الأرض، الأوراق وأكياس البلاستك وعلب البيبسي وأكواب الشاي الورقية…؛ طرائد الرياح التي لاتنتهي! وفي السماء كانت السحب القادمة من البحر تندفع بسرعة جنونية جهة الشمال والشرق.
جلست في مكاني أتأمل تسارع السحب، صور تتوالى بلا نهاية، سحابة تلد أخرى.
أقبل الليل ورُفع صوت أذان المغرب.
وأنا عائد من الصلاة، كان الفضاء مكتظاً بالغيوم، لم أعُد أرى شيئاً، وفجأة شق لمعان البرق عتمة الغيوم السوداء، أعقبه دوي الرعد، أحدث صوته صخباً في الأودية المحيطة، شعرت أثناءها بسعادة اختلطت بخوف.
مرّت في تلك اللحظات كل أجواء فصول السنة، برد الشتاء ورياح الخريف ومطر الربيع الخفيف. استمر الحال إلى منتصف الليل، لم استطع النوم، كنت قلقاً من أن يبدأ المطر في الهطول بغزارة وأنا أغط في النوم، اللحظة التي أحرص ألا تفوتني أبدا.
وفعلاً انهمر متأخراً، استمر هطوله إلى وقت السحر ثم توقف.. أشرق صباح اليوم التالي، كانت السماء زرقاء صافية إلا من ذيول سحب بيضاء خفيفة هنا وهناك، لمعت الأشجار والحشائش والصخور تحت ضوء الشمس، كانت مغسولة جيدا بماء المطر.
خطر لي سؤال في ذلك الصباح وأنا أجمع أغراضي لوضعها في سيارتي مغادرا إلى المدينة؛ لماذا كان عليّ دوما ترك هذا المكان سريعا كلما عدت إليه؟! .
مقال : محمد جبران



