مقالات

القراءة لم تمت بل تغيّر شكلها

بخيت طالع الزهراني

عندما نحضر بعض الأمسيات، وخاصة خلال الاحتفال بيوم الكتاب العالمي، نسمع من يتحسر ويتباكى على حال القراءة، ويؤكد أن الناس لم تعد تقرأ، وأن الكتاب لم يعد صديقًا كما كان.

تتكرر هذه العبارة كثيرًا حتى تبدو وكأنها حقيقة مسلّم بها.

لكنني أرى العكس تمامًا؛ أرى أن قاعدة القراءة والاستفادة المعرفية قد اتسعت، لا تقلصت، لكنها تغيّرت في شكلها وأدواتها.

الحقيقة الأقرب أن الناس ما زالوا يقرؤون، لكن بطرق مختلفة، وعلى وسائط جديدة فرضها العصر الرقمي.

في السابق، كانت القراءة مرتبطة بالكتاب أو الصحيفة، وكانت عملية فردية هادئة تتطلب وقتًا وتركيزًا.

أما اليوم، فقد انتقلت القراءة إلى الشاشات الصغيرة، وأصبحت جزءًا من الحياة اليومية؛ يقرأ الناس الرسائل، والتعليقات، والمقالات القصيرة، والعناوين، وحتى النصوص المرافقة للمقاطع المرئية.

ولو حاولنا إحصاء هذا النوع من التفاعل، لوجدنا أن حجم القراءة اليومي قد يكون أكبر مما كان عليه في الماضي، لكنه موزع على أجزاء صغيرة ومتفرقة.

ومع ذلك، لا يمكن القول إن كل ما نراه على الشاشة هو قراءة بالمعنى التقليدي. فمشاهدة الفيديو تختلف عن قراءة النص، لكن حين تتداخل الصورة مع الكلمة، ويشارك المتلقي بالتعليق والتحليل، فإننا أمام شكل جديد من التلقي المعرفي، يجمع بين القراءة والمشاهدة والتفاعل في آنٍ واحد.

هذا التحول لا يعني بالضرورة تراجع الوعي أو الثقافة، بل يشير إلى تغير في طريقة الوصول إلى المعرفة. القراءة لم تختفِ، لكنها أصبحت أسرع، وأكثر انتشارًا، وأقل عمقًا في كثير من الأحيان. فبينما تمنحنا الكتب قراءة متأنية تبني فهمًا متماسكًا، تقدم لنا المنصات الرقمية قراءة سريعة تواكب إيقاع الحياة.

لذلك، من الأدق أن نقول إن القراءة لم تمت، بل غيّرت شكلها. وبقي جوهرها قائمًا، وهو التواصل مع الأفكار، لكن وسيلتها أصبحت أكثر تنوعًا. والتحدي الحقيقي اليوم ليس في إقناع الناس بالقراءة، بل في توجيههم نحو التوازن بين القراءة السريعة التي تواكب العصر، والقراءة العميقة التي تصنع الفهم الحقيقي.

ودعونا نسأل أنفسنا بهدوء: هل القراءة من كتاب هي الهدف، أم أن ما وراء القراءة هو الأهم؟ وإذا كان الجواب هو الثاني – وهو الأرجح – فإننا بحاجة إلى إعادة تعريف علاقتنا بالقراءة. بدل أن نسأل: كم صفحة قرأنا اليوم؟ لنسأل: كم فكرة اكتسبنا؟ وكم معرفة أضفنا؟

خذ أمثلة بسيطة من يومنا: قد يقرأ أحدنا ورده القرآني، فتستوقفه كلمة أو اسم، فيلجأ إلى محركات البحث أو أدوات الذكاء الاصطناعي، فيفهم المعنى ويترسخ لديه. وربما تبقى جزئية غامضة، فيواصل البحث حتى تكتمل الصورة. خلال ساعة واحدة، يكون قد تنقّل بين مصادر متعددة، وخرج بحصيلة معرفية مركّبة قد لا يوفّرها كتاب واحد بمادته المغلقة

ومثال آخر: خبرٌ عابر في التلفاز يثير فضولنا، فنبحث عن خلفياته. أو رأيٌ قرأناه في «إكس» أو «واتساب» يدفعنا للتوسع. أو بيت شعر مرّ في جلسة سمر فنعود لشرحه. أو جملة نحوية أثارت تحديًا بين زملاء فنغوص في إعرابها. في كل هذه الحالات نحن نقرأ، لكن بوسائط وأساليب مختلفة

إذن، نحن أمام فضاء واسع من أشكال القراءة، وربما أمام عدد من القرّاء أكبر بكثير مما كان في الماضي. الفرق ليس في وجود القراءة من عدمها، بل في لغتها وأدواتها وإيقاعها.

ختاما أقول: القراءة لم تمت؛ بل ما تزال حاضرة بوسائلها العصرية، وربما أقوى حضورًا وأكثر جماهيرية من الماضي. ومن جانبٍ آخر، يظلّ الكتاب حيًّا أيضًا بين يدي عشّاقه ومع النخبة والباحثين؛ وكلا الفريقين، في النهاية، قرّاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com