آراء و تدوينات

العقيق .. من عالية نجد

عبدالحي إبراهيم الغبيشي

العقيق بفتح العين وكسر القاف وسكون الياء فقاف، والعقيق في معجم اللغة كل وادٍ شقه ماء السيل قديما فوسعه

والعَقيق. شَعر كل مولود يَنبت وهو في بَطن أُمه. ويذكر الهمداني أن العقيق سمي عقيقا لأنه معدن يعق الذهب، ويأتي أيضا معنى العَقيق : حَجر كريم أحمر يعمل منه الفصوص

ويحمل هذا الاسم سبعة مواضع “أعقة” .. وهي عقيق المدينة، وعقيق الطائف، وعقيق اليمامة، وعقيق تمرة بوادي الدوسر، وعقيق القناء، وعقيق البصرة.

 وقد ورد ذكر العقيق في المعاجم، وأيضاً في الشعر بكثرة، مما يصعب تميز هذه الأعقة، وما يهمنا منها هنا هو العقيق الذي في نجد غامد، ولقد ورد ذكرها في المصادر وكتب السيرة منذ العصر الجاهلي.

 ولم تحدد أهي كانت وادٍ أو قرية أو معدن، وقد جاء ذكر العقيق في سيرة الصحابي “أبو ظبيان الأعرج الغامدي”، في كتاب الاشتقاق لابن دريد، حيث ذكر أن أبا ظبيان واسمه عبد شمس بن الحارث، كان فارسًا وشاعرًا، وكان في ألفين وخمسمائة من العطاء، وكان كثير الغارة.

 وكان أبو ظبيان مضطجعاً “بالعقيق” فلم ينبهه إلا “حُصيدة القحافي” من خثعم يقود جيشًا، وقوم أبو ظبيان بهضبة الأمعز، فركب فرسه ولم يأت قومه، ولم يعرج حتى طعن حُصيدة فقتله.

وذكر العقيق حديثاً الكاتب موريس تايمز، في كتابة رحلة في بلاد العرب، الحملة المصرية على عسير عام 1249هـ، أنه عندما كان بالعقيق واجه ثلاثين منزلاً نصفها مبني بالحجارة، والنصف الاخر بني بالاجر الطيني

ومحافظة العقيق حالياً، هي حاضرة بادية غامد، ويسكنها قبائل بني طلق الزهران والحلة، وآل سيار، وهم ثلاث قبائل: رفاعة، الهجاهجة، والعبيدات .. وتفرع من العبيدات ست قبائل هم: القنازعة، البشابشة، آل مسلم، آل طالب، الزوايع، والدعاجين .. ويذكر أن من آل سيار الصحابي سفيان بن عوف بن المغفل بن عوف بن عمير بن كلب بن ذهل بن سيار

قال عنهم الرحالة “كيناهان كرنسواليس” في مذكراته عسير قبل الحرب العالمية الأولى: بادية غامد هم آل سيار، وهم أغنياء بالخيول والجمال، ومحاربون ممتازون

إضافة إلى بادية قبيلة بني كبير، وبني سيد وهي قبيلة قديمة كان لهم سيادة وجبروت ونفوذ في بادية غامد، لهم روضة “حمى” تحمل اسمهم لا توطأ أرضها ولا يصاد صيدها

ويتناقل الرواة عنهم قصة بأسباب منع المرور من ذلك الحمى يطول شرحها .. هاجروا منها قبل قرنين أو أكثر بأسباب الثأر والحروب، ويذكر من شيوخ بني سيد سالم بن حلسان، وثامر بن ثامر، والفارس والشاعر حمد بن قريع، جلا إلى ديار الشلاوى أبيار الصفينية، له قصص مع محسن القعيطري، وقصائد كثيرة يتناقلها الناس، أورد بعضاً منها منديل الفهيد في كتابه من آدابنا الشعبية.

كل ما تقدم خطر ببالي، خلال زيارة لي برفقة مجموعة من المهتمين لمتحف العقيق التراثي، للشيخة بنت الشيوخ صالحة بسيس، وقد وجدناه يضم الكثير من المقتنيات التراثية وما يميزه عن غيره، أنه جمع بين تراث البادية والحاضرة

كما شملت تلك الزيارة جولة على أهم معالم العقيق الاثرية والتاريخية، والمنطقة المركزية وبعض الأحياء القديمة كالغوث، جفن، رغم، حي مشقف، حي خدعة، حي الدنان .. وبعض المباني الحكومية، منها محكمة العقيق التي كان يعمل فيها قاضي العقيق، الشيخ عبدالحي كمال.

 ومقر بعض مشيخات القبائل، منها مقر شيخ رفاعة، محمد بن جمل المكي، وشيخ الزُهران عبدالله بن بسيس، ومقر شيخ الحلة مطلق بن عبدالله الحمر، ومقر شيخ الهجاهجة علي بن عليبي، وبيت سعد بن هشبول أحد أعيان العقيق

وما أذهلنا كثرة النخيل التي اضحت أعجازًا ميتة لما حل بها من الإهمال، وتعاقب سنوات الجفاف.

وتعد محافظة العقيق القلب النابض لما حولها، وهي من أكبر محافظات المنطقة وأكثرها عدداً، ويعول عليها أبناء المنطقة ، أن ستكون المكان المميز والواجهة الحضارية والاستثمارية والسياحة، كونها تحتضن المطار والجامعة والكلية التقنية، إلى جانب أن ارضها زراعية، يمكن استثماراها لخصوبتها وغزارة مياهها، وكثرة السدود والأودية بها، حتى أنها كانت في يوم من الأيام مصدر للغذاء والماء داخل المنطقة وخارجها، ومصدرًا للتمور، واجود انواع حطب القرض إلى كانت تصدره لمكة وغيرها.

وحالياً فأفضل العنب والخضروات والفواكه تأتي منها.

كما أن العقيق واجهة سياحية، تضم الكثير من الآثار كطريق الفيل، والمواقع الأثرية والتعدينية، كقرية لغب الأثرية، وموقع بهر، وقرية المعملة.

ومن أهم الأحلام التي يعول عليها أبناء المنطقة، اكتمال مشروع طريق الأسفلت، الذي سيربط العقيق بالأطاولة والمندق قريبا بحول الله.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى