“بيت الرواية السعودية” يناقش رواية “التوأمان” لعبدالقدوس الأنصاري

جدة – الاتجاه
نظم بيت الرواية السعودي حلقة نقاش افتراضية، حول رواية “التوأمان” للأديب الأستاذ عبدالقدوس الأنصاري، شارك فيها عدد من الكتاب الأدباء والنقاد، وتناول الأدباء في طروحاتهم الرواية من عدة زوايا، سواء من حبكتها وتماسكها، تكافؤ الحدث والوصف …. الخ.
مع تأكيد الأدباء المشاركين على أن رواية “التوأمان” لا يمكن أن تحاكم وفق شرط الراهن الزمني، من حيث التزامها بالشرط التقني للكتابة السردية الحديثة، فالرواية من البذور الأولى للرواية السعودية، ويُحسب لها ريادة التجربة حينها. وليس من العدل (النقدي) أن تُعامل وفق ما تتكئ عليه النظرية النقدية للسرد وتقنياتها الحالية.
تجدر الإشارة إلى أن “بيت الرواية السعودية” هو مجموعة متخصصة في مناقشة الروايات السعودية وعناصر الرواية، مثل: العقدة، البيئة السردية، الشخصيات، والأحداث. يتم عرض رواية جديدة في اليوم الأول من كل شهر ميلادي، ويُفتح باب النقاش حولها لمدة يومين. ويمكن للمشاركين تقديم أوراق نقدية حول الرواية المطروحة، وسيتم تنظيم لقاءات افتراضية أو حضورية كل أربعة أشهر.
…….
وهنا خلاصة النقاش حول رواية “التوأمان” للأستاذ عبدالقدوس الأنصاري

بداية قال الناقد الأديب …. أ. يحيى العلكمي:
يمكن لي في الواقع أن أجمل رأيي كانطباعات في النقاط التالية:
- غلبة الحكاية على السرد الفني، بحيث اعتمد النص على سيرورة حكائية لا تهتم كثيرًا بتقنيات التشويق والجذب، التي لا تخلو منها اللعبة السردية.
- الوعظية المباشرة، التي اتخذت المقارنة بين التعليم الأجنبي والتعليم المحلي وتأثير الأول على الآخر موضوعًا مستهدفًا وواضحًا.
- تدخل الروائي كثيرًا بآرائه الفكرية والاجتماعية في سياق النص، محاولًا بين الحين والآخر تبيان الحقّ في الموقف أو المشهد المحكيّ.
- الحفاوة الكبيرة باللغة الفصحى، وتوظيف مفردات معجمية وسياقات نحوية وبلاغية رئيسة.
- انكشاف معالم الشخصيات، ودوافعها، ومبررات أفعالها منذ الوهلة الأولى للقراءة، مما يجعل القارئ متوقعًا لكل حدث أو حوار قادم تقريبًا.
لفتة مهمة:
الرواية تُعد من البذور الأولى للرواية السعودية، ويُحسب لها ريادة التجربة حينها. وليس من العدل (النقدي) أن تُعامل وفق ما تتكئ عليه النظرية النقدية للسرد وتقنياتها في يومنا هذا.
وأضيف أن هناك فرقا واضحا بين الحكي والسرد الفني؛ الحكي إيراد للحكاية الرئيسة دون إعمال التقيات السردية المعروفة، وتشبه كثيرا حكاياتنا اليومية المتداولة بيننا في مجالسنا، أما السرد الفني فيمثل الارتقاء إلى حالة فنية تعمل على التقنيات الفنية (الوصفية -الاسترجاع- الزماكنية -فجوات القراءة- التكثيف ….) والتي من شأنها إدخال القارئ ليشارك في اللعبة السردية المتقنة، والأخذ بيده تدريجيا عبر الصراعات والخطوط الدرامية حتى وصوله إلى النهاية كيفما تكون.
أما هل من الضروري وجود رسالة، فالعمل الإبداعي ليس من طبيعته تقديم حلول للمشكلات، لكنه معني أن يصنع عالما موازيا تبدو فيه تلكم المشكلات، وفق بنية إبداعي سردية (فيما يتعلق بالرواية طبعا) على أن تكون الرسالة خفية وربما تأويلية بحسب فلسفة القارئ واحتمالاته ورؤيته.

أما الروائي … أ. أحمد الشدوي .. فقال:
رغم شهرة رواية التوأمان واحتفائنا بها كونها أول خطوة في السرد السعودي تظهر كعمل روائي، إلا أنني أعترف – للأسف – بأنني لم أقرأ هذا العمل. لكن الفرق بين الحكاية والرواية الحديثة هو أن الأولى، باختصار، عبارة عن حدث يُحكى، بينما الثانية تتطلب وجود ذلك التكافؤ الجميل بين الحدث والوصف. ولكي يتحقق هذا التوازن، يلزم الروائي أن يكون متقنًا لأمرين: الأول هو تقنيات السرد، والثاني هو الحيل السردية. فمثلًا، تفعيل المونولوج الداخلي للعمل كي يكون مشوقًا يتناسب مع وجود حيلة سردية فاعلة.
رواية نادي السيارات لعلاء الأسواني، ورواية ترمي بشرر لعبده خال
…..
من جانبها قالت الكاتبة … أ. فاطمة محمد:
بدأ السرد في الجزيرة العربية في السعودية بـ التوأمان عام 1930، تليها في اليمن رواية سعيد عام 1939. وسينقطع خيط اتصال السرد في الجزيرة العربية – عدا السعودية واليمن – منذ الثلاثينيات إلى السبعينيات.
وأول ما يلفت النظر إلى خطاب هذه البدايات، إلى جانب ملامستها لموضوعات محلية، أنها تبدأ من لحظة الاتصال بالآخر. ومعظمها كانت خطابًا فكريًا أكثر من كونها خطابًا روائيًا.
وخطاب الأنصاري في التوأمان ليس سعوديًا فحسب؛ لأن الأحداث منحت بعدًا رمزيًا للبيئة العربية كافة وقتها، والغرض منه مواجهة النموذج الغربي.
هذه الرواية، كما وصفها د. محمد السيد الديب: “ليس فيها ما يحملنا على القناعة التامة بأن تلك المحاولة تشتمل على الدعائم البنائية للفن الروائي… إنها مجرد محاولة قصصية وعظية بسطها الأنصاري من خلال سرد مباشر، وحوار مباشر في بعض المواقف بأسلوب شفاف جميل للتعبير عن رأيه في إحدى قضايا التعليم، والتي يبلور فيها رؤيته عن العلاقة الحضارية بين الشرق والغرب”.
السرد والحكي:
السرد يشمل الأدبي وغير الأدبي، وهو مادة لكثير من الأطروحات خارج حقل الدراسات الأدبية؛ إذ بدأ العلماء ينظرون إلى وظيفة السرد في كتابة التاريخ، والدين، والصحافة… إلخ.
إذن، هو ظاهرة طالت العديد من العلوم، لذا تتعدد التعريفات الاصطلاحية له بتعدد المرجعيات والخلفيات. وما يهمنا هنا هو السرد الأدبي، الذي عرّفه جيرار جنيت بقوله: “مجموعة الأحداث المروية من الحكاية، أي الخطاب الشفهي أو المكتوب الذي يرويها”.
وعند النقاد، ارتبط مفهوم السرد في الدراسات النقدية الحديثة بـ”صوغ الخطاب السردي شفويًا كان أم مكتوبًا”.
وعليه: السرد = أسلوب وطريقة الحكي. لذا نقول: الأسلوب هو الرجل، ونطرب لسماع أو قراءة بعض الحكايات، ولا نطرب لأخرى وإن ناقشت الموضوع ذاته.

وقالت الروائية أ. نبيلة محجوب:
سعدت بقراءة رواية التوأمان، وهي الرواية التي يتم ذكرها في كل محفل عند الحديث عن الرواية السعودية كأول عمل روائي سعودي. أما عن وجهة نظري حول أحقية هذه الرواية في الانتماء إلى الرواية السعودية:
- العمل بالكامل يصوّر الحياة في دمشق في مرحلة الاستعمار والمدارس الوطنية والأجنبية.
- الأسماء والألقاب ليس منها ما ينتمي إلى البيئة السعودية مثل: “بيك” و”باشا”.
لا شك أن الأستاذ عبد القدوس الأنصاري – رحمه الله – قامة أدبية وثقافية ترك بصماته من خلال مجلة المنهل ومن خلال كتاباته. لكن ذاكرته تحمل الكثير من البيئة الشامية.
بالنسبة لانتمائها للرواية، أرى أنها مقالة طويلة بأسلوب قصصي؛ لأن الرواية تعني عالمًا موازيًا للحياة الواقعية. في رواية التوأمان لا وجود لهذا العالم، فلا يوجد صوت للمرأة حتى الأم، وكأن رشيد وفريد ليس لهما غير الأب العطوف المسؤول الواعي، الذي ترك لولديه حرية اختيار مسارهما العلمي دون تدخل، حتى وهو يشاهد التغير الكبير في سلوك فريد الديني والفكري.
أرى أن من الظلم للأدباء الأوائل، الذين كتبوا من عمق الثقافة السعودية، إقصاءهم عن الطليعة، مثل حمزة بوقري في روايته السير ذاتية سقيفة الصفا الصادرة عام 1403هـ/1983م.
……
أما الكاتبة …أ. غادة العبود .. فقالت:
أود طرح فكرة مبدئية حول التوجه العام للغة الرواية ريثما أنتهي من قراءتها بإذن الله. أولا: لا أجد سوى الدعاء بالرحمة والمغفرة لهذا الأثر الجميل والكبير في الأدب السعودي وهو الأديب الكبير عبدالقدوس الأنصاري بما أثرى به الأدب في الجزيرة العربية حديثا، وخاصة عبر تأسيس دارة المنهل وما يطبع فيها من مجلة المنهل، والتي تعتبر من أوائل، إن لم تكن أولى المجلات الأدبية السعودية التي استطاعت الحفاظ على عقل القارئ والرقي فيما تطرح على الرغم من الازدحام العسير للاتجاهات الفكرية والأدبية التي عاصرت المجتمع العربي منذ القرن العشرين وحتى اليوم.
وأرى أن هذه المجلة لابد وأن تعتبر من مآثر الصحافة والكتابة في البلاد، تماما، كما تحظى الدوريات العالمية العريقة بالاحتفاء والاهتمام لأنها تشكل في ذاتها تاريخا للفكر والأدب. وبالنسبة لي فإن مجلة المنهل لها مكانة أثيرة لدي، إذ أنها أول مجلة كتبت فيها حين كنت في الثامنة عشرة من عمري، حيث كان الألق للكتابة يراوح روحي وفكري،
ولأني لم أكن أود كتابة السريع والمقتضب، مع إيماني بأني أرجو لو أكتب في مكان يحترم القلم والفكر، فكانت مجلة المنهل هي اختياري الذي احتضن أول ثلاث مقالات مطولة كتبتها على مدى سنتين في المجلة، في باب “هن/ أقلامهن” المخصص للأقلام النسائية، بل حتى إن أول مكافأة مالية تلقيتها لقاء كتاباتي كانت من مجلة المنهل! وأذكر أني حينها احتفظ بالشيك المحول لشهور ولم أود أن أصرفه، رغبة في أن يكون ضمن ذكرياتي الغالية، ولكني الجميع أخبرني بأن الشيك سينتهي تاريخه ولابد! فاحتفظت بصورة له في قلبي.
أما بالعودة إلى لغة الكاتب في الرواية والتي تختلف عن اللغة والأسلوب المعاصرين لكتابة الرواية اليوم، بل وكذلك تعقيبا على قواعد الفن الروائي المبكرة في الرواية.- لفلحق ، أن هذا لم يكن شأن الرواية الأولى في الحجاز، بل لو عدنا إلى قريب من تلك المرحلة العربية، سنرى أن أقلام من مثل: لطفي المنفلوطي، وزكي مبارك، والعقاد، والزيات، ومصطفى صادق الرافعي تاليا..إلخ، وغيرها الكثير من الأقلام التي ساد في اسلوبها ملامح محددة:
أولا: علو اللغة واستخدام التراكيب ما بين أصيلة ومعربة، لأنهم كانوا يرون أن الكتابة هي مدرسة اللغة يدخل فيها القارئ ويتعلم كيف يتذوق اللغة بعيدا عن تعقيدات المعاجم، وللحق بأن الكثير من القراء والذين صاروا بعد ذلك مؤلفين إنما استقوا قراءة اللغة العربية من هذه المدرسة، حتى لو تباينوا بعد ذلك فيما كتبوا ونشروا.
ثانيا: الأسلوب المباشر بمسحة وعظية، وهذه أيضا لم تكن لرواية التوأمان وحسب، بل هي الصبغة الواضحة لكل الفن الروائي العربي في بدايته، حيث كان الإيمان بأن الأدب لا بد وأن يكون مؤدِّبًا للجماعة التي يعيش بينها، ولعلهم كثيرا ما كانوا يربطون بين لفظة “الأدب” والتأديب الأخلاقي المجتمعي. ويتضح هذا من قصص من مثل: قصص النظرات والعبرات للمنفلوطي، ورواية زينب، وغيرها.
أما بالنسبة لبساطة الحبكة الروائية، فدعنا نقول وبعيدا عن التعصب للذوق العربي، بأن الرواية هي فن أجنبي عن الثقافة العربية، ولا نقصد هنا مهنة” القصّ” في ذاتها، لنقول بأن القرآن فيه القصص، وأن العرب عرفوا القصة، وإلا لما كنا نرى أن رواية التوأمان وغيرها من بواكير الكتابة الروائية العربية تعتبر “سطحية” في مقابل تقنيات كتابة الرواية اليوم!
إنما نقول بأن الرواية شأنها شأن كل التراث الإنساني الذي يتم تناقله عبر الترجمة والاحتكاك بين المجتمعات، فهي تنتقل من مجتمع لآخر بهدوء، ولكن بعض المجتمعات استطاعت أن تهضم قواعد الفن الروائي وطورته بذوقها الخاص، وهذا نجده واضحا في روايات الصين واليابان وكوريا الجنوبية، الذين استطاعوا أن يؤسسوا لنكهة خاصة بهم في كتابة الرواية. في حين أن مجتمعات أخرى ما تزال تشهد مخاض الكتابة الروائية بين قواعد الذات المجلية وما يحمله هذا الفن من تعقيدات الحبكة والشخصية ونحو ذلك، كما هو الوضع في المجتمعات العربية،
وهناك من تركوا الرواية الغربية كلها وكتبوا كما يحلو لهم وهذا نجده في روايات تولستوي وفيودوفسكي وكتابات روسيا البيضاء عامة. لغة الرواية وقواعد الحبكة الروائية تأثرت بالتطور العام لمسيرة الحياة، بمعنى أن اللغة المستهلكة للرواية اليوم والتي تكاد تخلو من أي أفق عال في الأغلب، هي نتاج اللغة المباشرة التي نستخدمها في وسائل الإعلام، كما يتبعه تأثير الترجمة المباشرة حين أصبح مترجم الأدب مترجما فقط وليس أديبا أو كاتبا في نفسه! وهذه نقطة يجب التوقف عندها، لأن المترجم اليوم من الأدب قد ساهم في إضعاف مستوى اللغة بدل الارتقاء بها. ففي الماضي كان المترجم أديبا في ذاته، فعندما ينقل أديب مثل المنفلوطي رواية من أدب آخر، كان يكبت الرواية بالحس اللغوي العربي، بعيدا عن مدى قربه أو بعده من النص الأصلي المترجم،
وهنا كلام كثير حول جرأة المترجم ومدى صلاحيات الترجمة في الأدب. ولكننا اليوم أمام نتاج ضعيف في المستوى اللغوي والأدبي للأدب المترجم، ونظرا لكثرة الطلب على الأدب المترجم، أصبح المترجم الذي يعمل لصالح دار النشر هو ذاته آليا يقوم بترجمة أكثر من كتاب في الوقت ذاته! ويمكننا أن نضع أيدينا على عدة نصوص مترجمة لذات العمل الأدبي في مكتباتنا اليوم، وستجد كل نص يختلف عن الآخر وأشد فقرا من أخيه! الأمر الآخر في قواعد الفن الروائي، أن هذه القواعد لا يمكن تطبيقها على منظومة الرواية العربية المبكرة في كل الأرض العربية، لأن هذه القواعد في ذاتها تم تدبيجها بعد أن أدركت حركة النشر في الغرب أن الكتابة هي صنعة تجلب الربح لأطراف عدة، كما أنها وسيلة تدوين تحاكي تدوين التاريخ الفكري والاجتماعي، فصارت لها ورش العمل والتقعيد المتطرف أجيانا،
ويكفي أن نقارن بين كتابات مبكرة لروجينا وولف، وكتابات معاصرة في الرواية لنرى أن التعقيد هذه المرة، قد اصطبغ روح الثانية في حين كانت الأولى أقرب منالا. وهنا نقطة أخيرة تسببت في تقعيد أسلوب العمل الروائي، وهو من شقين: الأول: دخول السينما في نقل الأعمال الروائية لتكون مشاهدة، وهذا مع التكرار جعل في وعي الكاتب تصورا بصريا لعمله أكثر من شيء آخر لحظة الكتابة حتى وإن كان لا يدرك ذلك،
ومن جهة ثانية: التنوع الواسع لنوع الكتابة المؤدلجة بتقنيات هي أكثر من تقنيات الكتابة في ذاتها: كالخيال العلمي، وقصص الجريمة، والفانتازيا عموما! فهذه الفنون فرضت ذوقا من التعقيد صرنا نطلبه حتى في الروايات الرومانسية أو التي تعالج قضايا المجتمع!
هذه نقاط سريعة أحببت طرحها لنشارك في جمالية هذا النقاش الثري.



