مقالات

الشاعر أحمد الباشة: هيبةُ الحضور وقوةُ الشعر

قراءة: محمد بن مسعود العُمريّ

يُعدّ الشاعر أحمد بن موسى بن جحران العُمري، المعروف بـ الباشة، رحمه الله، من أهالي وادي مَمنى ببلاد بني عُمر، ومن كبار شعراء العرضة الجنوبية،
ومن المواقف التي تكشف جانبًا من فطنته وحسن حضوره، أنه اتجه ليأخذ ثمن جمله الذي باعه لرجلٍ من أهالي قرية البكير، الواقعة جنوب محافظة بالجرشي؛ فمرّ بقرية الحمران، فوجد عرضةً قائمة في منزل الشيخ علي بن هزاع، حيث كان القوم يشتغلون بتسقيفه وتطيين سقفه، فشارك ضمن شعراء العرضة في تلك العرضة، وبدأ بما يكشف عن أدبٍ رفيع يسبق القوة، ثم ألقى هذه القصيدة، بدعٌ وردّ:
يقول في البدع:
تحيتي حسب ما هلت وشي ناوي
يفتتح الشاعر بالتحية، وهذه من محاسنه؛ إذ يقدّم الأدب قبل التحدي، فـ“هلّت” في أصلها تُستعمل لنزول المطر، خفيفًا كان أو غزيرًا، وكلمة “ناوي” هنا أي السحابة التي تسبق المطر
ومن هذا التمهيد ينتقل إلى تثبيت المعنى:
من ناوي ما به إصلافًا ولا ناشوف
هنا تتداخل الدلالة الدارجة مع الفصيحة بذكاء، ويظهر كيف أن القصيدة منذ مطلعها تبني معناها بناءً مترابطًا؛ ومن خلال تحيته والبيت الذي يليه – حضور خير، كنوء الذراعين الذي يُستبشر بمطره:
نو الذراع الذي لا ناض من بكره
يرتقي بالصورة إلى مستوى أعمق؛ فـ“نو الذراع” يُحيل إلى أنواء نجم الذراع التي يُستبشر بها بالمطر، و”لا ناض” أي إذا ظهر ونهض، خصوصًا من “بكرة” أي من بواكير الأنواء
فالمعنى: إذا ظهرت البشائر أولها، فالخير قادم لا محالة.
ومن هذه البشارة ينتقل إلى أثرها
بعده يظلي الغنم ياكل ذيابتنا
تتجسّد النتيجة في صورةٍ بيئية صادقة؛ فبعد نزول الأمطار وخصب المرعى، تقوى الأغنام وتتعافى، فلا تعود الذئاب قادرة على افتراسها. و”يظلي” أي يستمر ويستقر الحال على ذلك
وحين سكت الشعراء عن الرد، التقط الباشة هذا الصمت وبنى عليه مساحةً يبرز فيها ثقته ووعيه بنفسه، فجاء كلامه امتدادًا لذلك الهدوء لا خروجًا عنه.
ثم يقول في الرد:
أحمد يقل لي محباتاً وشيناو
فجاء هذا البيت حديثًا داخليًا بصوتٍ مسموع؛ يخاطب فيه نفسه باسمه، وفي ذلك تثبيتٌ للذات وإظهارٌ للثقة والاتزان.
و”محباتًا” في لغتهم المحكية لا تُفهم على ظاهرها فقط، بل تحمل معنى الخطاب اللين القريب الممزوج بمودّةٍ وطمأنينة.
أما “وشيناوي” فتبدو جاريةً على نسق المقابلة اللفظية مع “محباتًا”، في بناءٍ صوتيٍّ يراعي الجرس والانسجام.
وكأن الشاعر يلمّح إلى تباين طبائع الناس: من يُقبل ومن يُعرض، من يودّ ومن يشنأ، دون أن يتأثر ثباته بذلك.
ما كنّي أعمى في الدنيا ولا أنا آشوف
وآنا لو أشوى بغيت الدرب من بكره
فهو يشير إلى واقع الطريق قديمًا: وعورةً وبُعدًا، لا تقصيرًا في الإرادة.
وهنا يبرز جمال الجناس في شعر العرضة الجنوبية؛ ففي البدع قال: “ولا ناشوف”، ثم عاد في الرد إلى قوله: “ولا أنا آشوف”، فاقترب اللفظ واختلف المعنى. فـ“ناشوف” في لغتهم تُحمل على الرياح التي تنشف المطر وتبدد أثره، وليست من الشوف بمعنى الرؤية.
يكون في المنزل الغالي ذيا بتنا
ويختم باعتزازٍ مهذب؛ فلولا البعد، لكان المبيت عندكم. و”ذيا بتنا” أي موضع مبيتنا وإقامتنا. فالمنزل “الغالي” ليس مجرد مكان، بل رمز الكرم والمقام.
ويختم باعتذارٍ لطيف يحمل ثناءً واعتزازًا في آنٍ واحد؛ فـ“ذيا بتنا” وتعني المبيت في سياق الشطر؛ فهي من الفعل: بات، أي موضع الإقامة والنصيب من المكان، أي لكان مبيتنا عندكم وبقينا في ضيافتكم هذه الليلة.
** مصدر القصيدة وقصتها: ديوانُ المُجتنى الثَّمريّ من قصائد الباشة العُمريّ
وإلى لقاءٍ آخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com