قراءة لمجموعة (المعتقل الأحمر) لنايف مهدي

قراءة: طاهرة آل سيف
في المجموعة القصصية “المعتقل الأحمر” للكاتب القاص نايف مهدي، الصادرة عن دار مجاز، نجد عالمًا سردياً واسعًا، حرًّا وطليقًا، ناقضاً للمعنى الذي قد يحمله عنوان المجموعة من عتمة وضيق وانحسار.
في هذا العمل، يقرأ المتلقي فنًّا قصصيًا نابضًا، وأفكارًا متمردة، عبر حاسة فنية بلْوَرت ما أدركه الكاتب من حوله من أحداث ومواقف وتقلبات للحياة.
حكايات كأنها تكتب نفسها، رغم ما تحمله هذه الفكرة من غرابة — ففكرة أن الحكايات تكتب نفسها — في نظري تبدو وكأنها فكرة تقفز على حاجز المعقول، فيما لو تخيلنا أن هناك يداً ستملي على الكاتب مايكتب وتحرك شخصياته وتأخذ المآلات إلى مناطقها المأمولة بخفاء، إلا أن الكاتب قد وطّأ لهذا التصور منذ البداية،
فكتب في مبتدأ كتابه في (ص5): “أكاد أجزم أن هذه القصص قد كتبت نفسها بنفسها، ولم أكن لها سوى الحجر الأول الذي مال وأدى إلى تساقط هرم أحجار الدومينو. إذن، فأنا أداةٌ كاتبة في يدٍ أكبر مني تملي عليّ ما تسمعه وتراه.”، وحين أنهيت قراءة الثلاثة عشر قصة التي تضمنتها المجموعة، وجدتُ أنني ممتثلة لتلك التوطئة؛ لما اكتنزت به هذه النصوص من خيال خصب، وسرد مشوّق، وعوالم متخيلة غُزلت على بساط متين من الحكي العميق المسترسل.
يكتب الأستاذ نايف عمله هذا من داخل عوالم يمكن وصفها بالديستوبية؛ عوالم يسكنها الخوف، وتحفّها العتمة، وتنهشها الحروب والجريمة والظلم، حيث يتسلّط “الآخر” على الذات، وتُصادَر الأفكار والعقول.

وفي هذه السياقات، تنزل شخصياته إلى مأزق التحمل، أو الجنون، أو الانتحار، أو حالة لا مبالاة تعكس انكسار الإنسان أمام واقع مفرِط في التهميش.
هذا إلى جانب حضورٌ خاص للحب والعاطفة ومرارة الذكرى، وغوصٌ في النفس الإنسانية وجمال عطائها وتفرّد تضحياتها في قصص أخرى.
غير أنه لم تخلُ قصة من جرعات من الترقّب، وارتفاع الأدرينالين، سواء عبر لفظة، أو جملة، أو فكرة، أو مشهد، أو في أحيان كثيرة، عبر النص بأكمله.
المجموعة كُتبت بلغة رصينة، وأوصاف بديعة، وتصوير حاذق للبؤس ونقيضه. التفتت إلى همّ الإنسان في مواجهة قسوة هذا العالم، وتلقيه لأقسى الضربات.
وقبل البدء في عرض أفكار الحكايات ومقاطع منها، أُشير إلى أن أكثر مايلفت في المجموعة الاشتغال على الخيال، يلحظ القارىء ذلك من الأوصاف المفصلة، والسرد المتوسع في نواحي القصص ودهاليزها، وتفلُّت منطقيتها، والانحشار في تفاصيل دقيقة تعكس إعمال الخيال، ومن هناك إلى أن يطوي القارىء الصفحة الأخيرة من هذه المجموعة ويجول بين عوالمها ، سيتوقف ليسأل: ماضرورة الخيال في الأدب، قراءة أو كتابة؟
فقد طالعني هذا السؤال تحديداً، لأجد مقاربة ضمنية لهذا فيما ورد في نظرية العقل والرواية، (نظرية موسعة يعرضها كتاب لماذا نقرأ الأدب الخيالي)،حيث تمنح هذه النظرية إبحار في قراءة الأفكار، وقدرة على الذهاب إلى التأويلات المختلفة للمعنى، وتلمّس مابين السطور، عرضاً وتلقياً فضلاً عن اسقاطات ترمز للقضايا والأفكار قد تكون الأبلغ في ايصال المغازي..
وسيتولّد سؤال آخر: إلى من يوجه الكاتب نصهُ حين إذ؟ هل يوجهه إلى نفسه ؟ ، فيتوحّد مع أفكاره ورؤاه، ويصغي لما تمليه عليه مخيلته، ويستجيب لها مكوناً عوالم يصوغها في نصوصه ويكتفي بها في معزل عن فهم المتلقي؟
أم إلى هذا المتلقي؟ والذي يرجو أن يكون قارئًا نوعيًّا، يلتقط إشارات النص بعقله ووجدانه، ويعيد تشكيلها في ذهنه قراءة وتأويلًا، أم للاثنين معاً ؟ خصوصاً أثناء ولادة النص ومابعد خروجه للنور، وعليه ألاّ يخسر أي من الطرفين -نفسه والمتلقي- وإلاّ فيسكون خياله ترفاً لا يستفز العقل ولاينحُ إلى ماهو أبعد من الواقع المباشر .
في قصة “المعتقل الأحمر” — والتي تحمل عنوان المجموعة —عالم متخيل في المعتقل الأحمر الذي اسماه (سجن الإعلام والأفكار)، يُلقى فيه بطل القصة مع جمع من السجناء، بسبب نشره مقطعًا على شبكة الإنترنت مسيئًا لشخصية مهمة. يحتشد النص بتفاصيل بشعة عن القهر والتعذيب، جنح إلى المبالغة الملحوظة متخذًا منها أسلوباً لتصوير عمق الأذى والانتهاك الانساني. يقول الكاتب في وصف السجن:
“ظلام رطب حالك مبلول، نيران تصهر حلقي، رائحةبول عطنة نفّاذة، ذبابات تطن وتتحرك ببطء علىأطراف فمي الجاف، قطرات متباعدة تتساقطبعشوائية واندفاع.” (ص17)
يخرج البطل بعد سنوات، فاقدًا ابنته المعاقة، تائهًا عن العالم، يهرب من نفسه، ويهرب منه الناس.
في قصة “مدينة الرماد”، يرصد الكاتب آثار الحرب على البشر، والمشاعر، والثوابت، ناقلًا صراع الأمل الفلسطيني أمام العدوان الغاشم، وما تخلّفه الحرب من زلزلة للإيمان، والمبادئ، والانتماء.
أما في “سحب رمادية”، فنتابع شابًا مجهول النسب، يتقلّب في الحياة بنفس العبثية التي جاء بها إلى الدنيا. لا يكترث لشيء، ولا يحاول مقاومة رفض العالم له. يرسم الكاتب صورة مختلفة عن “اللقيط”، تعكس اللامبالاة المبطّنة بالحسرة، حيث يقول:
“كان يُحار دائمًا ما إذا كان هادئًا أم يائسًا؟ يصيح بهزملاؤه: يا غبي، فوّتَ الفرصة! فيهز سبابته القصيرةبالنفي، وهو متشكك في قرارة نفسه. عندما يتأخر فيإحضار أكياس البقالة لجدته الدرداء، تخبر مجلسالنساء بخبث أنه لبث في رحم أمه ثلاثة عشر شهرًا،ولم تخرجه القابلة إلا كشطًا بالملعقة، فقد كانملتصقًا بالأسفل. فينفث الدخان ضاحكًا من فمه.” (ص187)
أما قصة “نسائم أخيرة”، فهي قصة الوفاء والحب والمساندة. يتجلّى فيها البطل كمثال للرجل النبيل الذي يقف إلى جوار زوجته العقيم المريضة، متشبثًا بها رغم الهمّ الذي أنهكها وتحطم نفسيتها، في مشهد محمّل بالعاطفة والرقة. يقول الزوج:
“المهم أن تحيا عابدة، أن تعيش، أن أتنفس عطرهافي أرجاء البيت، أن أراها مبتسمة مطمئنة علىسجادة صلاتها، أن تشاركني الزاد وأستعين بها علىتخفيف وحشتي، أن نجلس في العصاري معًا ونحننتناول التمر والقهوة… لا أريد أن أفقدها، فهي كل ماتبقّى لي بعد هذا العمر الطويل.” (ص30)
قصة ” نوافذ مشرعة” تحكي الحنين وعودة الذكريات في مايشبه تعاقب الزمن ودورته على الأعمار من الطفولة إلى المشيب، في وصفٍ بارع للقرية القديمة والعودة لها وتلمس أماكنها، حيث يقابل البطل نفسه أمام جدار ” وجدت كتابة جدارية صغيرة بقلم رصاص سميك وعرفتُ أنني من كتبها في ذاك الوقت، لأنها كانت مذيلة باسمي، كما لو أنها عبارة ثمينة أخشى أن يسرقها أحد، كان مكتوباً هناك بخط مرحوبحروف عملاقة:”إياك أن تهتم”، وبجانبها رسم ابتسامة عريضة جدًا، بهدوء تحسست كل حروف العبارة بإصبعي، ثم نحتُّ مباشرة بمسمار صلب”لقد حاولتُ، ولكنني فشلتُ يا معلمي الكبير ” (ص181) .



