ثقافة وفن

لا أحد ينام في طرابلس

هيفاء علي نورالدين

قصة قصيرة ——

في طرابلس، لا يبدأ الليل حين تغرب الشمس، بل حين تبدأ المدينة بالتكلم.

كل مساء، في ساعةٍ لا يمكن توقيتها، يصحو شيء في جدران المدينة القديمة. الهواء يصبح أثقل، يضغط على صدور العابرين، يحمل روائح لا تفسير لها.

عود ثقيل، صدأ، وبخور نسيه تاجر مشرقي في زاوية سوق القزدارة منذ قرن مضى.

يقال إن المدينة لم تنم منذ أن انفجرت أول قذيفة على باب العزيزية. ويقال إن النوم فيها صار فعلاً يُشبه الهروب من الحصار، لا يُسامَح عليه.

كان عبد الله بن عافية يسكن في بناية قرب باب البحر. لم يكن شاعرًا، ولا مجنونًا. موظف أرشيف سابق، يعيش وحده، ويهوى ترتيب القصاصات الورقية القديمة. في أحد دفاتره، كتب ذات مساء:

> “المدينة لا تُطفئ أنوارها، حتى حين تنقطع الكهرباء. أنام وأسمع خُطى. أصحو وأجد الباب مفتوحًا. أغلقه. فيعود للانفتاح وحده، كل ليلة.”

كل يوم يمر، يشعر عبد الله أن شيئًا ما يتنفس تحت الأرض كأن هناك قلبًا يضرب داخل الإسفلت، نبضه يُدوّي في الأذنين.

في سوق الترك، على الرصيف المواجه لمقهى “السعادة” الذي لم يعد يُضحك أحدًا، تجلس جميلة المهدوي، بائعة أحذية نسائية، ترفض مغادرة كُشكها منذ خمسة عشر عامًا.

حين تُسأل إن كانت تنام، تضحك وتقول:

“أنام؟ طرابلس تصحيني كلما غفوت. مرّة حلمت، فقُصفت الحُلمُ في منتصفه.”

عيناها تحملان تعباً لا يزول، وصوتها كصوت امرأة تقرأ على موتى وهي تعلم أنهم يسمعون.

بدأت الحكاية فعليًا حين سقط المطر في شهر يوليو. المطر في الصيف نذير، وليس بركة. تساقط على الحواري كدموع لم يُرِد أحد أن يراها. وفي صباح اليوم التالي، انتشرت ورقة واحدة على أبواب البيوت:

> “النوم خيانة. من ينام، ينسى. ومن ينسى، يُمحى.”

لا أحد يعرف من كتبها، لكنها ظهرت عند باب فندق المهاري القديم، على زجاج متشقق، ثم عند مبنى البريد، ثم فوق تمثال المختار في الساحة الكبرى، ثم على جدران المقبرة الرومانية في طريق الشط.

ومن تلك الليلة، بدأت طرابلس تتغير.

القطط لم تعد تموء، بل تُحدّق في المارة كأنها تعرف أسرارهم.

الناس صاروا يتحدثون بصوت أخفض، لكن بخوف أوضح.

وكل من حاول النوم… شوهد يمشي في الليالي التالية، كأنه مستيقظ، لكن ليس حقًا.

في مساء رمادي، اجتمع عبد الله وجميلة في زقاق خلف المدرسة الإيطالية المهجورة. لم يتفقا على اللقاء، فقط انجذبا إلى ذلك المكان كما تنجذب الإبرة للبوصلة.

قال عبد الله وهو ينظر إلى نوافذ المدرسة المغلقة منذ أربعين سنة:

“هل شعرتِ أن المدينة تنادينا؟ ليس بالاسم، بل بالذنب؟”

أجابت جميلة:

“أشعر كأن طرابلس لا تريدنا أن نرتاح. ربما لأنها لا ترتاح.”

فجأة، انفتحت أحدى النوافذ، وخرج منها صوت نسائي رخيم، لا يُفهم، لكنه مألوف، كأن جدّاتنا يتكلمن في حلمٍ لم نحضره قط. ارتجف عبد الله. أغمض عينيه. حاول أن ينسى.

لكنه لم يستطع.

في الليلة الأخيرة، كُتبت جملة باللون الأحمر فوق قوس ماركوس أوريليوس:

> “طرابلس لا تُعاقب من يستيقظ، بل من ينام وهو يعرف.”

ومنذ تلك الليلة، لم يجرؤ أحد على إغلاق عينيه أكثر من طرفة.

المدينة أصبحت مثل ممر طويل في حلم لا نهاية له.

الشارع يتكرر. الوجوه تُستنسخ. الذكريات تتآكل ببطء.

عبد الله ما زال هناك، يدوّن.

جميلة تبيع أحذية لا يشتريها أحد.

وكل طرابلس… مستيقظة.

تتذكّر كل شيء.

ولا تسمح لأحد أن ينسى.

ولا أحد، على الإطلاق، ينام.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com