ثقافة وفن

ظل وورقة

هيفاء علي نورالدين

قصة قصيرة

كان صباح المكتب العتيق كعادته، باردًا وثقيلًا، يحمل في هوائه رائحة الورق المعتق والغبار المتراكم منذ سنوات. الجدران المتآكلة تحيط بالمكان كأنها تحفظ أسرارًا لا تُروى، والمكاتب الخشبية الصدئة تحتضن أكوام الملفات كأنها قبور لذكريات منسية.

في زاوية الغرفة، جلست “ميسان” خلف مكتبها الصغير، تتفحص بملل بعض القصاصات، بينما ضجيج المكاتب يدور حولها. لم يكن شيئًا يلفت انتباهها… إلا هو.

كان يجلس في أقصى القاعة، منحني الظهر، عصاه تتكئ إلى الطاولة بجانبه. لم يكن يشبه أي موظف آخر. هادئ لدرجة أن صوته لم يُسمع يومًا، وعيناه كلما لامستا ورقة بدت وكأنهما تفتحان نافذة على زمن بعيد. سمعَت من زميلتها أنه يُدعى “عزير”، صحفي سابق، سُجن لخمسة أعوام، ثم عاد ليعمل في الأرشيف… بعيدًا عن الأضواء، وكأنه يختبئ من العالم.

في ذلك اليوم، طُلب من “ميسان” إحضار ملف يضم مئات المقالات القديمة. نهضت نحو الأدراج المتهالكة، تفتش بين الأوراق الصفراء، حتى تجمدت يداها على ملف محدد، شعرت بثقله قبل حتى أن تفتحه. حين رفعت رأسها، كان “عزير” يراقبها بترقب صامت، نظرة مختلطة بين القلق والرغبة في التدخل. عرضت مساعدتها، فاكتفى بابتسامة باهتة وغادر.

لكن بعد ساعات، عاد الملف للظهور على مكتب المدير، وقد نُسي هناك. أمسكت به “ميسان” وهي في طريقها للمغادرة، وقبل أن تعبر البوابة، لمحته يقترب من بعيد، يعرج قليلًا، وعصاه تطرق الأرض بإيقاع متعب. ترددت لحظة، ثم تقدمت نحوه، وقدمت الملف. أخذَه بهدوء، وارتسمت على وجهه ابتسامة مكسورة، ثم قال بصوت بالكاد يُسمع:

– “كنت أبحث عنه منذ زمن… أكثر مما تظنين.”

منذ تلك اللحظة، صار حضور “عزير” يثقل أفكارها. كانت تراه في الأرشيف يفتش بين أكوام الصحف القديمة، يسحب أوراقًا ثم يعيدها بسرعة، وكأنه يحرس سرًا. حتى وقعت يدها، ذات مساء، على ورقة صفراء باهتة، مكتوب في أعلاها: “المقالة المحظورة – لا تنشر”. وفي الأسفل… اسم الكاتب: عزير.

في اليوم التالي، دخلت الأرشيف بخطوات مترددة، وناولته الورقة. جلس على الأرض، بين رائحة الغبار والحبر، وقال بصوتٍ يخالطه مرارة قديمة:

– “هذه ليست مجرد مقالة… هذه كانت سبب سجني.”

روى لها حكايته: قبل سنوات، كتب تحقيقًا يكشف فساد شخصيات نافذة، جمع الأدلة والشهادات والصور. كان يظن أنه يقترب من لحظة الحقيقة… لكن الحقيقة كانت فخًا. في ليلة واحدة، اقتحموا منزله، صادروا كل شيء، واتهموه بنشر الأكاذيب. خمس سنوات بين الجدران الباردة محَت ملامح عمره، لكن ظله ظل عالقًا في الأرشيف. والملف الذي بين يديها الآن… هو آخر ما تبقى من الأدلة.

اقترب منها، ونظر في عينيها بثبات:

– “إذا لم أعد غدًا… ضعي هذا الملف في الدرج السفلي، تحت الصحف القديمة. هناك من سيعرف أين يجده.”

في الصباح التالي، كان المكتب يعج بالهمسات: “عزير لم يحضر… الشرطة كانت قرب بيته.” قلبها خفق بجنون وهي تفتح درج مكتبها… الملف لم يكن هناك.

رفعت رأسها ببطء، عند باب المكتب كان يقف رجل ببدلة داكنة، عيناه تراقبانها بثبات لا يلين. اقترب خطوة وقال بهدوء مريب:

– “أعتقد أن الملف صار في مكان آمن… أليس كذلك؟”

تجمدت الكلمات في حلقها، وعرفت أن الحكاية التي بدأت بين يديها لن تكتمل أبدًا… وأن بعض القصص لا تُكتب، بل تُترك لتذوب في ظلال الورق، حيث الحقيقة لا تنام… لكنها أيضًا لا تُروى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com