ثقافة وفن

قراءة في مجموعة (بيت بلا جدران) لفاطمة الدوسري

(بنت الريف) في مجموعتها القصصية تدخل بيوتًا لا جدران لها وتكشف أسرارها

قراءة: هاني الحجي

  “يرمز الجدار إلى حواجز مادية ونفسية مثل العزلة، السجن، القمع، وقد يمثل الجدار أيضاً الحماية، القوة، والحدود المادية أو المفاهيمية. يمكن أن يُستخدم كرمز للحالة النفسية للشخصية في سياق السرد.

في مجموعة (بيت بلا جدران) للكاتبة فاطمة الدوسري (بنت الريف) الصادرة عن دار تكوين، يشير العنوان وصورة الغلاف لبيت مكشوف من الداخل مهدم وجدران متصدعة، لا تحمي ساكنيه وكشفت قصص المجموعة ما يدور داخله من تصدعات اجتماعية وتشققات نفسية وانهيارات عصبية وصراعات نفسية، والجدار في قصص المجموعة لا يوظف كرمز بمعناه المادي، لكنه يحمل دلالات ورمزية الجدار النفسي والاجتماعي وجدار المشاعر والحلم وزنزانة الروح.

 رصدت الكاتبة في قصص مجموعتها ما يدور خلف الجدران في عددٍ من القضايا الإنسانية والاجتماعية التي تكشفت بعد تهدم الجدران المادية والمعنوية التي كانت تسيجها بالأمان في واقعها الحياتي.

تتناول قصة (بيت بلا جدران) انهيار سور البر والوفاء من الأخ الذي بذلت الأم أخر جنيه من مدخراتها لأجل دراسته، ومشاعر الأخت التي هيأت البيت لأجل استقبال أخيها الغائب من العمل في الخارج، لكن ينكسر جدار الفرحة من بيت مشاعرها، وهي التي ضحت بأنوثتها للعمل في المزرعة مع أمها من أجله.

 كانت الأم والبنت تزينان البيت لاستقبال الابن القادم، لكن جدار الأمل بلم شمل الأسرة تكسرت وتهدمت جدرانه عندما عادت الأم في مشهد مأساوي وهي تخبر ابنتها عن اعتذار أخيها عن العودة كما أبلغها الشخص الذي حمل رسالته مرفقًة بحفنة من النقود واختار قضاء إجازته في الخارج مع عائلته!

تقفز الكاتبة في قصة (نهاية او بداية) على جدران أحد البيوت لتصور مشهد زوجين جفف العقم جدرانهم، وكاد ينهار جدار الزوجية بينهما بسبب عدم اكتماله بطوبة مشاعر طفل يملأه بالحياة ويكسر جموده

222

* القاصة فاطمة الدوسري

يخبر زوجته في مكان يأخذها إليه خارج جدران بيتهما أنه قرر أن يأتي بزوجة أخرى لتكمل جدار البيت الناقص بطفل تنجبه له.

تطل في قصة (أنهم يقتلون الأمل) على جدار أحد البيوت الاجتماعية لتكشف القصة عن علاقة مرتبكة بين الأب المتسلط وابنته لتعري التسلط الذكوري الأبوي على ابنته التي تفشل في التخصص الذي اختاره له، ويرفض اختيارها التخصص الذي تريده ويقرر عقابها بتزويجها لرجل متزوج ويكبرها سنًا، وحينما تعترض يصفعها مما يؤدي الى تدهور حالتها الصحية وانهيارها العصبي، ولم توضح الكاتبة مشاعر الأب وعودة الضمير له وندمه على قسوته!

 تذهب في قصة (حبات الرمل) إلى قرية لتصور الأشواق والحنين لأحد ابنائها الذي يغترب ثم يعود في إجازة بناء على طلب والده ويحدوه الحنين لجارتهم التي كان يمني النفس بالزواج منها، ليكتشف أنها صخرة انهارت من سور القرية عندما تزوجت وغادرت مع زوجها.

 تدخل الكاتبة من ثقب صغير في جدار أحد بيوت هذه القرية لتكشف صورة أخرى لتسلط الأب والأم بخيار كل واحد منهما المرأة التي يريدان تزويجها لابنيهما، وكأن الابن بدون أي قرار ليختار شريكة حياته عندما يرفض يهدده أبوه بمقاطعته إن لم يستجب لرغبته في الزواج من بنت عمه ثم يستجيب لقرار والده مكرهًا، ولكن يجد جدار بيتهم مشروخا والتشققات بارزة فيه حينها يقرر أن يعود من عطلته تاركًا لوالده خيار تحديد وقت الزواج لمن يريدها والده ولا يرغب فيها هو.

تصور قصة (صراع بين جدران باردة) بيوت سكن للطالبات والحنين الذي يعتريهن للوالدين وحنان الأم في غربتهن وابتعادهن عنهن” تعود إلى نفسها وتكتب المعادلة الناتجة لا شعوريًا غربة+ بلا حنان الأم = ضياع”

وتصف حال الطالبات خلف جدران السكن الباردة من المشاعر عند الخلود إلى النوم

“قبل أن تخلد للنوم جالت بنظرها المكان.. وتساءلت في حزن: ترى كم دمعة تسقط الان على الوسائد… بل كم قلب يتلظى في حمى الشوق والأهات..”

حينما تبتعد عن الجدران دفئ حنان الأم والأب تصبح باهتة باردة من المشاعر ويصبح من يعيش بينها كأنهم يسكنون في العراء لا تأويهم من لهيب الشوق حتى تصاب مرهفة الأحاسيس منهن بالهذيان والحمى بسبب شوقها لحنان أمها ويصلن لقرار العودة

“بعد عدة أيام تصحو ساكنات المبنى على مشهد تلك الفتاة وهي تقوم بجمع اشيائها …. وتنتظر عند البوابة….ونظراتها عالقة في الأفق وهي تردد “أني قادمة يا أم!!::

11

* الكاتب هاني الحجي

بلغة عميقة فتحت الكاتبة نقشًا على الجدار النفسي في قصة ” انهيار” لتغوص في أعماق الشاب المنكسر المحبوس في زنزانة قرارات والده الذي قذفته في يمه والدته بعد خلافات بينهما وإكراه والده له على تزويجه بزوجة شقيقة زوجته الدميمة.

 حينما يقنعه أصدقاؤه بالسفر للخروج من كل هذه الدوامة يظل يعيش في صراع نفسي بين تقاليده التي تربى عليها بالقسوة، وتمرده عليها بدءًا من كذبه على والده بالسفر للانتداب إلى انتهاك كل المحرمات التي رباه عليه.

 عاد يعيش صراعاته النفسية ويتحمل تبعات آثامه منهارًا، لكن في تلك اللحظة التي سقط فيها تحت الأقدام لم يجد يدَا تمتد اليه لتمسح عن وجهه التراب إلا يد والده التي كان يراها قاسيةً حينما تصفعه لتربيته، ولم يجد صدرًا يبثه الأمل إلا صدر أبيه.

تطل قصة (انزواء) على سور زنزانة لتصور شابًا يعرض للمحاكمة، ويعيش في صراع داخلي مع نفسه قبل أن يصدر القاضي الحكم عليه كان الشاب يلقي باللوم على والده لعدم احتضانه له بصدر حنون، وهو سبب ضياعه.

“وقبل أن أقع طلبت من والدي أن يصحح مساري ويحميني منك … إلا أنه ضحك…هل هو يضحك الان؟!..”

ولكنه يعترف أنه لم بسمع نصيحة أمه

” أمي قالت لي أشياء كثيرة ولكمن لم أصدقها….. والآن أندم ليتني سمعت كلماتها المعفرة بالدموع “

يظل يعيش الصراع والندم والأمل بالخروج من جدران الزنزانة ليعاد له الأمل من جديد

” أعود إلى الروتين المفزع مرة أخرى …أحاول أن أجد نفسي التائهة”

قبل أن يصدر الحكم عليه يقع مغشيًا ويستفيق بين جدران المستشفى ليجد أمامه وجه أمه الذي يعيد له الأمل بينما الأب مازال في الخارج ينتظره مع أخوته.

ترسم قصة ” الزعفران” على جدار البؤس والفقر أملاً حينما تصور الرجل العجوز الذي أنهكه الزمن وهو يبيع الزعفران ووعد حفيده بشراء بدلة الرياضة التي يتمناها، ولكنه لم يبيع من بضاعته ما يحقق أمنية حفيده، وحينما يؤذن المغرب يبدأ في التضرع إلى الله بدموع يائسة حتى يشع نور الأمل حينما تلمحه امرأة تقرأ سورة انكساره على وجهه، وتشتري بضاعته ليقفز من سور اليأس إلى فضاء الأمل بتحقيق أمنية حفيده.

كان الجدار في قصة “الأسيرة” من خيوط خيمة في الصحراء حينما تزوج (هديب وهدباء) وأخذها زوجها من بيئتها الصحراوية إلى عالم المدينة في (جدة) وانتقلت هدباء من حياة الصحراء إلى المدن، ومن رعي الغنم للدراسة في الجامعة، ومن الربابة إلى كتابة الشعر لتكتشف أن زوجها الدكتور لم يتركها وحيدة وكان يراقبها ليعيد هيكلتها الاجتماعية في حياة المدينة ويحررها من أسرها للماضي.

تدخل قصة ” غدًا يوم آخر” من بوابة الحلم المسورة بجدران العنوسة لامرأة كان الحلم أوسع من زواجها إلى أن تقترب من شبح العنوسة وتقبل بأي شخص تأتي به الخاطبة، إلا أنها تصاب بالغثيان حينما يكون خاطبها في لحظة اليأس حارس المدرسة!

“أمي… أيتها الحبيبة لا تخافي سيأتي من يأويني إن لم يكن اليوم يكون غدًا”

لفتني في المجموعة صورة الأب القاسية والمستبدة، وأن الصورة الإيجابية للأب وضعتها الكاتبة (للجد)، أما الأم فتمثل الصورة الحانية على ابنائها تحتاج المجموعة   لوقفة وقراءة صورة الأب في قصصها.

لدى الكاتبة أسلوب رشيق وقدرة في رسم شخصياتها وتفاعلها مع الأحداث والظروف التي تعيشها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com