الإنسان والكون في فلسفة سبينوزا

د. آمال بوحرب (*)
تمهيد
في تاريخ الفلسفة الحديثة يظل اسم «باروخ سبينوزا» علامة فاصلة بين الميتافيزيقا الكلاسيكية والرؤية العقلانية الممنهجة، لقد سعى في كتابة «الأخلاق» إلى بناء نسق فلسفي شامل يقوم على فكرة الجوهر الواحد، الذي يربط الإنسان بالكون في علاقة عضوية لا تنفصم.
هذه الفلسفة التي توصف بالتوحيد الطبيعي لا ترى الإنسان ككائن مستقل في مواجهة الطبيعة، بل كنمط من أنماطها خاضع لقوانينها ومشارك في أبدية نظامها، غير أن هذا التصور أثار جدلا واسعا بين الفلاسفة الذين جاؤوا بعده، فكان مصدر إلهام ونقد في الوقت نفسه من «هيجل» إلى «نيتشه» و«هيوم»
مفهوم الجوهر والطبيعة وحدة الوجود:
يرى «سبينوزا» أن الجوهر هو ما يوجد في ذاته ويدرك من ذاته، ومن ثم يرفض التعددية الديكارتية للجواهر، ليؤكد على وجود جوهر واحد لا متناه هو الطبيعة، التي تتفرع عنها جميع الموجودات، يميز بين الطبيعة المبدعة التي تمثل الجانب الفعال والمنتج، والطبيعة المنتجة التي تمثل النتائج والأنماط الناشئة، بهذا التصور تغدو الطبيعة نظاما كليا يتحرك وفق ضرورة أبدية، لا وفق غايات أو مقاصد
اعتبر «هيجل» أن هذا التصور بلغ ذروة العقلانية، وأن البداية الحقيقية للفلسفة الحديثة تمر بسبينوزا، غير أنه انتقد طابع الجمود الذي يميز وحدة الجوهر، مؤكدا أن الروح لا تختزل في نظام ثابت، بل تتكشف في مسار جدلي متحرك
الإنسان نمط في الطبيعة
ينفي «سبينوزا» أن يكون الإنسان مركزا للكون، فهو ليس مملكة داخل مملكة، بل نمط من أنماط الجوهر، يتكون من جسد وعقل وكلاهما وجهان لحقيقة واحدة، بهذا يصبح الإنسان جزءا من شبكة كونية مترابطة، وجوهره في هذه الشبكة هو الكوناتوس، أي السعي الدائم للمحافظة على الوجود.
وجد «هيوم» في هذا التصور صدى لفكرته عن السببية الضرورية، حيث تتحدد كل الظواهر بعلاقات سببية لا مكان فيها للصدفة، غير أنه اعتبر أن إدراك هذه الضرورة ليس شأن العقل الخالص كما تصور سبينوزا، بل ثمرة العادة والتجربة المتكررة
وهم الإرادة الحرة:
يرى «سبينوزا» أن كل ما في الطبيعة محكوم بضرورة لا تترك مجالا للعرضية، أو الحرية المطلقة، الإرادة بدورها ليست حرة بذاتها، بل محددة بسلسلة لا نهائية من الأسباب، لكن الحرية عنده لا تعني التحرر من هذه الضرورة، بل تعني إدراكها بالعقل، حيث يرى الإنسان الأشياء في أفق الأبدية فيتحرر من الانفعالات السلبية، ويشارك في انسجام الطبيعة
من هنا يلتقي مع «نيتشه» في رفض الإرادة الحرة، لكنهما يفترقان في معنى الحرية، فالحرية عند سبينوزا هي وعي بالضرورة، بينما الحرية عند نيتشه هي إرادة قوة وقدرة على خلق القيم وتحدي النظام القائم
الأخلاق والفضيلة نحو انسجام كوني:
يضع «سبينوزا» أسس الأخلاق في الفهم لا في اللوم أو العقاب، الفضيلة هي قدرة على الفعل والمعرفة، والسعادة هي وعي باتحادنا مع الطبيعة، العواطف السلبية وليدة أفكار ناقصة، أما الفرح فيولد من الفهم العقلي لوحدة الكون.
وهنا يوجه «نيتشه» نقدا مباشرا إذ يرى أن هذه الأخلاق عقلانية أكثر من اللازم، وأنها تفرغ الحياة من صراعها الخلاق، ومع ذلك وجد في سبينوزا قريبا روحيا لأنه مثله أنكر الغائية والحرية المطلقة، أما «هيجل» فاعتبر أن أخلاق سبينوزا تظل مجردة لأنها تعود إلى الجوهر الكلي متجاهلة الفرد والتاريخ.
خاتمة:
تكشف فلسفة «سبينوزا» عن مفارقة عميقة، الإنسان جزء من نظام كوني محكوم بالضرورة، ومع ذلك فإن حريته تكمن في إدراك هذه الضرورة، والانسجام معها، وقد انفتح هذا التصور على قراءات متعددة
عند «هيوم» صار ضرورة تجريبية وعند «هيجل» أصبح لحظة في جدل الروح وعند «نيتشه» تحول إلى ساحة للصراع وإرادة القوة
يبقى فكر سبينوزا دعوة دائمة إلى إعادة اكتشاف الإنسان ككائن طبيعي منغرس في الكون، وإلى بناء أخلاق لا تقوم على الوهم أو الجزاء، بل على الفهم العميق لوحدتنا مع الوجود.
…………
(*) باحثة وناقدة


