الاتجاه – فواز المالحي
سقى غيث الحيا مزن تهاما على قبرٍ بتلعات الحجازي ، من اشهر قصائد الشاعر الراحل محمد بن لعبون حيث قدم فيها أصدق وأجمل ما قيل في الرثاء العاطفي في الشعر النبطي القديم، إذ رثى فيها زوجته، فسكب أحزانه شعراً، ووشّحها بلحنٍ على الإيقاع الخماري الذي اشتهر في الغناء النجدي القديم، ذي النغم الحزين العميق.
تحليل موجز للقصيدة:
-
الافتتاحية (الاستهلال بالدعاء):
سقى غيث الحيا مزن تهاما / على قبرٍ بتلعات الحجازي
يبدأ بالدعاء بالسقيا لقبرها، وهو أسلوب شائع في الرثاء العربي منذ الجاهلية، فيه وفاء وحنين. -
الوصف والطبيعة:
يعط به البختري والخزاما / وترتع فيه طفلات الجوازي
يرسم مشهدًا مليئًا بالحياة حول القبر، وكأنه يريد أن تبقى روحها في موضعٍ تحفه الزهور والمطر والعصافير. -
الانتقال إلى الذكرى والحنين:
مضى بوصالها خمسة أعواما / وعشرٍ كنهن حزات حازي
يذكر المدة منذ وفاتها، مشيرًا إلى طول الحزن وثقله عليه. -
الاعتراف بالعجز والفقد:
بفقدي له ووجدي والغراما / تعلمت النياحه والتعازي
صورة مؤلمة للفقد، يعلن فيها أنه لم يعرف الحزن إلا بعد رحيلها. -
القَسَم والوفاء:
وكل البيض عقبه لو تساما / فلا والله تسوي اليوم غازي
يعبر عن إخلاصٍ نادر، مؤكدًا أن لا امرأة بعد زوجته تساويها في عينه. -
الخاتمة بالدعاء:
وصلاة الله مني والسلاما / على قبرٍ بتلعات الحجازي
يختم بالدعاء والترحم، كما بدأ، في دورةٍ لغوية وعاطفية مغلقة تشبه أسلوب الشعر الجاهلي.
الشاعر: محمد بن لعبون (ت 1247هـ / 1831م)
من رواد الشعر النبطي في الجزيرة العربية، تميّز بصدق العاطفة، وجزالة اللفظ، ورهافة الحسّ. يُعدّ من أوائل من صاغ القصيدة النبطية في قالبٍ فني يجمع بين البساطة والغناء.
وفي هذه القصيدة، يرثي ابن لعبون زوجته التي توفيت شابة، فجاء شعره مرآةً للحزن والوفاء، مطعّمًا بنغمة الإيقاع الخماري الذي اشتهر في الغناء النجدي القديم بنبرته الوجدانية الحزينة.
يعد من أشهر أعلام الشعر النبطي في الجزيرة العربية ، عاش في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي (الثالث عشر الهجري). وله شعر غنائي جميل اشتهر بابن لعبون. وتوفي في الكويت في سنة الطاعون.
النص
سقى غيث الحيا مزن تهاما
على قبرٍ بتلعات الحجازي
يعط به البختري والخزاما
وترتع فيه طفلات الجوازي
وغنّت راعبيّات الحماما
على ذيك المشاريف النوازي
صلاة الله مني والسلاما
على من فيه بالغفران فازي
عفيف الجيب ما داس الملاما
ولا وقف على طرق المخازي
عذولي به عنودٍ ما يُراما
ثقيلٍ من ثقيلات المرازي
أبو زرقٍ على خدّه علاما
تحلاها كما نقشٍ بغازي
وخدٍ تمّ به بدر التماما
وجعدٍ فوق منبوز العجازي
عليه قلوب عشّاقه تراما
تكسر مثل تكسير القزازي
إلا يا ويل من جفنه على ما
مضى له عن لذيذ النوم جازي
ومن قلبه إلا هبّ النعاما
يجرونه علي مثل الخزازي
تكدر ما صفا ياما وياما
صفا لي من تدانيه المجازي
ليالي مشربي صفو المداما
وثوب الغيم منقوش الطرازي
مضى بوصالها خمسة أعواما
وعشرٍ كنهن حزّات حازي
بفقدي له ووجدي والغراما
تعلّمت النياحة والتعازي
وصرت بوحشةٍ من ريم راما
ومن فرقاه مثل الخاز بازي
وكل البيض عقبه لو تساما
فلا والله تسوي اليوم غازي
سلينا لا حلال ولا حراما
عليهن بالطلاق بلا جوازي
حياة الشوق فيها والهياما
وقدٍّ منه يهتز اهتزازي
وخضت أبحور ليعاتٍ تطاما
خلاف الناس ضاقت وين أبازي
نكيف الهم في قلبي تراما
وجيش البين بالغزوان غازي
أريده وانكسر كسر السلاما
بسيفٍ جرّده ما هوب هازي
إلا يا الله يا من بالملاما
يسلّم يوم ترزاه الروازي
أسلّم له ولا ردّ السلاما
عزيزٍ من عزيزاتٍ عزازي
وصلاة الله مني والسلاما
على قبرٍ بتلعات الحجازي



