ثقافة وفن

الرواية العالمية (سيد الفوضى) نموذجاً.. حين تتقاطع البنية النفسية والفلسفية مع التشكيل السينمائي.

قراءة ـ عادل النعمي

لا تُقاس قيمة الرواية الحديثة بقدرتها على سرد الحكاية فحسب، بل بمدى قدرتها على تشييد منظومة دلالية متعددة المستويات تجعل النص فضاءً تأويلياً مفتوحاً، تتقاطع فيه البنية الحكائية مع التحليل النفسي، ويشتبك فيه الخطاب الفلسفي مع التقنيات السينمائية.

في هذا السياق، تبرز رواية (سيد الفوضى) بوصفها محاولة واعية لبناء نص مركّب يقوم على ما يمكن تسميته تركيب الطبقات السردية؛ أي توزيع المعنى عبر مستويات متراكبة، بحيث لا تُقرأ الرواية مرة واحدة بل تُستعاد قراءتها في كل مرة من زاوية مختلفة، وهنا تقرأ هذه الرواية بوصفها نص متعددة الطبقات: طبقة الحكاية؛ طبقة التحليل النفسي؛ الطبقة الفلسفية، لكن هذه الطبقات ممتزجة ومنفصلة في ذات الوقت!

طبقة الحكاية: تتمحور الطبقة السطحية للسرد حول بطل تظهر عليه بوادر اضطراب ذهاني مبكر، يقوده مسار الأحداث إلى السجن حيث تتفاقم حالته النفسية تحت ضغط العزلة والعنف، فتتشكل داخله ثلاث شخصيات متمايزة؛ لكل منها أسلوبها الخاص في التفكير والتصرف والكلام.

غير أن هذا الانقسام لا يُقدَّم بوصفه عرضًا مرضيًا فحسب (تعدد الشخصيات) بل بوصفه جهازًا سرديًا يولّد تعددية في المنظور، ويحوّل الصراع النفسي الداخلي إلى المحرك الرئيس لتنامي الأحداث.

ورغم قدرت البطل الجزئية على ضبط هذه الشخصيات، إلا أن تهديدات السجن المستمرة تدفعه إلى الانضمام إلى إحدى العصابات طلبًا للحماية، فتتكوّن لديه خبرة عملية في العالم الإجرامي، وبعد خروجه، تتبلور شخصيته في صورة مركّبة تجمع بين دهاء التجربة الجنائية وذهنية التحليل النفسي، الأمر الذي يخلق صراعًا وجوديًا معقدًا، ويدفع القارئ إلى إعادة تأويل الوقائع باستمرار عبر زوايا إدراكية متعددة.

طبقة التحليل النفسي: في المستوى الثاني، تتأسس الرواية على بنية استرجاعية عميقة تُعيد قراءة الطفولة بوصفها البنية التكوينية للسلوك الإنساني، حيث لا تُفهم الوقائع الحاضرة إلا باعتبارها امتدادات زمنية متأخرة لخبرات صادمة لم تُستوعب نفسيًا في لحظتها الأولى.

من هذا المنظور، يتعامل النص مع الذاكرة لا كمخزن للأحداث، بل كقوة فاعلة تُعيد تشكيل الإدراك والانفعال واتخاذ القرار، وهو تصور يقترب من الأطروحات العلاجية التي قدّمها الدكتور بيسل فان دير كولك ، والتي ترى أن الصدمة لا تبقى ذكرى ماضية، بل تتحول إلى نمط عصبي، وسلوكي يستمر في التأثير على الحاضر عبر أنماط الاستجابة التلقائية، فتغدو الشخصية الروائية أسيرة تاريخها النفسي حتى اللحظة التي تعيد فيها وعي ذلك التاريخ وتأويله من جديد.

إن استدعاء آليات الدفاع النفسي – كالكبت، والإزاحة، وإعادة التشكيل – لا يأتي بوصفه شرحاً نظرياً، بل يُجسَّد داخل الفعل السردي نفسه، بحيث تتحول الحبكة إلى صراع نفسي تتكشف داخله دوافع الشخصية تدريجياً.

وهنا تتحقق إحدى أهم وظائف الرواية الحديثة: تحويل التحليل النفسي من خطاب تفسيري خارجي إلى محرك داخلي للأحداث دون استخدام مصطلحات بل تذويب كامل للدوافع في السرد، هذا التذويب هو من يصنع العمق وكذلك صدق (الانفعالات الشخصية) لأبطال الرواية.

أما عن الطبقة الفلسفية في الرواية: يتحرك المسار الفكري للرواية بين العدمية والإرادة الأخلاقية التي تبدأ من أفق عدمي متأثر بأفكار الفيلسوف فريدريك نيتشه، حيث تُطرح رؤية تشكك في القيم المطلقة، ثم تتحول تدريجياً نحو تصور أكثر تركيباً يعترف بازدواجية الإنسان بين الخير والشر عند الفيلسوف إيمانويل كانط… هذا التحول لا يُقدم بوصفه خطاباً مباشراً، بل يُبنى عبر التجربة الحياتية للشخصية، ما يجعل الفلسفة نتيجةً سردية لا مقدمةً تنظيرية.

إن توزيع الشخصيات الداخلية على تيارات فلسفية مختلفة – وجودية، براغماتية، رواقية – يمنح النص بنية فكرية متعددة الأصوات، حيث تتحول الشخصية الواحدة إلى حقل جدلي تتصارع داخله أنظمة فكرية متباينة.

وللمزيد من التوضيح: الطبقة الثالثة مرتبطة بالطبقة الثانية… كارل يونغ عالم النفس الأشهر، يخربنا أننا نتكون من عدة شخصيات في حال تطورنا البشري حسب الظروف والأحوال… الشخصيات التي لدينا عندما تتطور هي لا تموت، تصبح لها استقلال في تكوينها ولضرب المثال من خارج النص لمزيد من الفهم ( شخص مهمش وخاضع، طور آليات دفاع وأصبح إلى عدائي، بالغ في الاهتمام بالذات وتحول إلى نرجسي) خلال حياته سوف يتناوب بين هذه الشخصيات، بكل موقف أو حالة على حدة، ولا عجب فربما يعشق امرأة تشبه أمه وتسيطر عليه فيتعامل معها بشخصيته الخاضعة، وفي الخارج يدمر الناس بعدائيته أو يرهقهم نفسيا بنرجسيته حسب الموقف الوجودي).

هنا البطل عندما أصيب بالفصام أصبح لديه ثلاث ذوات كل ذات تحمل شخصية مختلفة ولها كذلك فلسفة مختلفة ـ مشعل وجودية، المصفوق برغماتية، راشد رواقية ـ وتستولي على الحدث الشخصية الأقوى حسب الموقف، ومع تطور الأحداث لا تبقى هذه الذوات في حالة توازن ثابت، بل تدخل في صراع خفي على السيطرة، بحيث تتقدم إلى الواجهة الشخصية الأكثر انسجاماً مع طبيعة الموقف، فيتحول البطل إلى ساحة تداول نفسي تتناوب فيها الذوات القيادة تبعاً للظروف، الأمر الذي يجعل مسار الشخصية غير خطي، بل متغيراً باستمرار وفق موازين القوة الداخلية، إلا أن مسار الأحداث بدأ بنتشة وانتهى بكانط!

أما عن البنية السينمائية للنص وتقنيات الإخراج السردي: تستثمر الرواية بوعي واضح أدوات اللغة السينمائية، فتُدار إيقاعات السرد وفق مبدأ البطء التأسيسي الذي اشتهر به ألفريد هيتشكوك، حيث يُبنى التعاطف مع الشخصيات قبل انفجار الأحداث، ثم ينتقل الإيقاع إلى تسارع مدروس يحافظ على التوتر الدرامي.

كما يظهر أثر المدرسة البصرية التي يمثلها ديفيد لينش في توظيف المشاهد السريالية التي تربك الإدراك وتدفع القارئ إلى البحث عن منطق خفي وراء الفوضى الظاهرة، بينما تستحضر كثافة الصورة والكوميديا السوداء بصمات ستانلي كوبريك في بناء مشاهد تجمع بين الجمال البصري والقلق الوجودي.

ومن ناحية أخرى، يُلاحظ توظيف ديناميكية المسارات المتعددة داخل الرواية – البوليسي والدرامي والرومانسي – بطريقة تستحضر تقنيات السرد المتوازي التي عُرف بها ستيفن سبيلبرغ، إضافة إلى العناية بالكاريزما الاجتماعية للشخصيات وتأثيرها في الفضاء الحكائي بما يذكّر بأسلوب مارتن سكورسيزي في بناء الشخصية الفاعلة.

خامساً: (الفوضى المنظمة) بوصفها استراتيجية سردية: أحد أهم منجزات النص يتمثل في ما يمكن تسميته استراتيجية الفوضى المنظمة؛ إذ تبدو الأحداث أحياناً متقطعة أو غير مترابطة، لكنها في الحقيقة تتبع نظاماً دلالياً مؤجلاً لا يتكشف إلا لاحقاً، هذا الأسلوب يجعل القارئ مشاركاً في إنتاج المعنى، لأن النص لا يمنحه العلاقات السببية جاهزة، بل يطالبه بإعادة تركيبها.

حتى الرموز البصرية – مثل رمي خاتم في البحر أو الوقوف بين الظل والنور – تتحول إلى إشارات دلالية صامتة تسبق الحدث وتلمّح إلى مصيره، وهو ما يعزز حضور اللغة غير المنطوقة داخل البناء الروائي.

خاتمة نقدية

إن (سيد الفوضى) لا تسعى إلى تقديم حكاية مثيرة فحسب، بل إلى بناء نموذج روائي يقوم على تفاعل ثلاثة محاور متكاملة:   حبكة ذات شخصية مركزية متشظية تخلق صراعاً داخلياً دائماً، ثم بنية تحليل نفسي تُحوِّل الماضي إلى محرك سردي للأحداث، وأخيراً إطار فلسفي وسينمائي يمنح النص كثافة تأويلية وبصرية في آن واحد.

وبهذا المعنى، تنتمي الرواية إلى ما يمكن تسميته الرواية ذات النكهة الخفية؛ النص الذي يقدّم سطحاً حكائياً مشوقاً، لكنه يخفي تحته شبكةً من الدلالات الفكرية والجمالية لا تنكشف إلا عبر القراءة المتأنية، حيث تتحول الفوضى الظاهرة إلى نظام عميق من المعنى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com