ثقافة وفن

نافذة على ” شواطئ الغربة ” للكاتب الليبي خالد السحاتي

بقلم : عائشة بنور

منذ القراءة الأولى وأنا أتصفّح المجموعة القصصية “شواطئ الغربة” للكاتب الليبي خالد خميس السحاتي، شعرت أنها نصوص مستوحاة من عمق الروح، تتخللها لوحات فنية آسرة للفنان التشكيلي الليبي د. معتــوق أبـو راوي، مما أضفى عليها بعدًا بصريًا جماليا يوازي حرارة التجربة الإنسانيــة فيها، هذا التمازج بين الريشة والنص ولد عالما ثالثا ينبض بالجمال ويمنح القصص عمقا وروحا لا ترى إلا حين يتعانق اللون مع الكلمة.

تتناول المجموعة ثيمة الاغتراب والهجرة، وتلتقط بمهارة حالات الإنسان حين يُنتزع من مكانه الأول ويُلقى في عوالم لا تشبهه مرغما. إذ يكثّــف الكاتب هذا المعنى عبر ما أورده على لسان بدر شاكر السيّاب، كأنّه يستعير صوتـته وبقوة ليقول إن الغربة ليست مجرد مسافات تُقطــع، بل جرح داخلي ينفتح كلّما تذكّر الإنسان ظلاله القديمة.

يا غربة الروح في دنيا من الحجر

و الثلج و القار و الفولاذ و الضجر

يا غربة الروح لا شمس فأئتلق

فيها و لا أفق يطير فيه خيالي ساعة السحر

تــدور مجموعة “شواطئ الغربة” حول تجربة الإنسان المغترب، وما يواجهه من تحوّلات نفسية واجتماعية وهو يعبر من شاطئ إلى آخر بحثًا عن معنى للحياة .

تتناول القصص مشاهد من الوحدة، الحنين، الخسارات الصغيرة، وصراع الهوية بين ما تركه خلفه وما يحاول بناءه في عالم جديد لا يشبهه ويحلم به.

ترصد المجموعة تفاصيل الحياة اليومية للمهاجرين: غربتهم الداخلية حتى وهم وسط الناس.

خوفهم من المجهول، وتعلّقهم بالذكريات التي تحفظ ما تبقّى من الوطن في الذاكرة ومحاولاتهم التكيّف رغم الجدران غير المرئية التي تفصلهم عن المجتمع الجديد.

شعورهم بأن كل خطوة على “شاطئ الغربة” تحمل احتمال النجاة أو الضياع في دهاليزها.

يمزج الكاتب بين الواقعي والإنساني، ويقدّم شخصيات بسيطة لكنها شديدة العمق: عمّال، طلبة، آباء، وأمهات، ولكل منهم قصة مع الرحيل، ولكل منهم مكان خفيّ يتوجّع منه.

القصص قصيرة، مكثّفة، تعتمد على اللحظة الدرامية، وعلى لغة شفافة تُبرز هشاشة الإنسان حين يبتعد عن جذوره.

في هذه المجموعة يلتقط خالد خميس السحاتي لحظات انسانية عميقة حيث يقف أبطاله على حافة الرحيل والحنين ..

في النهاية، تمنح المجموعة إحساسًا بأن الغربة ليست مكانًا بقدر ما هي حالة، حالة بحث دائم عن شاطئ يمكن للمرء أن يقف عليه دون خوف .

قصص تضيء هشاشة الانسان وهو يبحر في منفى الذات والذاكرة .

شكرا المبدع خالد خميس السحاتي أنك فتحت لنا عبر شواطئ الغربة نوافذ على أرواح تبحث عن مأوى .

دمت صوتًــا ينصت للوجع ويحوّلــه إلى ذات تتكلم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com