بنت الميزان… و وجع القشاط

هيفاء علي نورالدين
قصة قصيرة
لم يكن زقاق حارة القراية سوى عتبة ضيقة تعبر بها الشمس خجلاً عند الظهيرة، لكنه كان بالنسبة لـ حورية كل العالم. حورية، هي “بنت الميزان” كما كانت تهمس الجارات. ليس لأن والدها يمتلك ميزاناً يزن به القمح أو الزيت، بل لأن عائلتها – آل الشاوش – كانت تُوزَن بالذهب في ميزان القبيلة والاسم.
كانت حورية، بعينيها الوساعتين اللتين تحفظان خريطة طرابلس القديمة، تعرف تمام المعرفة أن “الميزان” يعني أن خطواتها محسوبة، ضحكتها مقننة، وحتى حلمها يجب أن يكون على قدّ القماش الفاخر الذي ترتديه.
في تلك الظهيرة، كانت حورية تجلس على درجات السلم الحجري البارد في مدخل “حوش الكبير”، تنتظر عودة الخالة “مبروكة” من السوق. كانت أذناها معلقة بالصوت القادم من داخل البيت: صوت جدها، الحاج مختار، وهو يكح بعمق بعد كل جملة يلقيها على عمها (الذي ورث عنه صرامة الـهيبة).
”الزواج يا ولدي ستر وغطاء، ونحن ما نتزوجوش ع الأطلال. العريس ولد فلان، والنسب أرفع ما يكون. والبنت حورية بنت الميزان، لازمها راجل يقدر الثقل هذا، ويحافظ على القشاط اللي ربطناها بيه.”
هنا، انتفضت حورية داخلياً. القشاط. كلمة لم تكن تعني لها سوى الحزام الجلدي الثمين الذي يرتديه الرجال، لكنها في قاموس العائلة كانت تعني الرباط، العهد، القيد الذي لا ينفك. شعرت به يشد على صدرها، يقطع أنفاسها المترقبة.
وجع القشاط
العريس المنتظر كان عز الدين، ابن رجل أعمال عائد من الهجرة، يملك عمارات شاهقة وسيارة “” جديدة تلمع تحت شمس المدينة. كان عز الدين وسيماً، لكن عينيه كانتا كـ “الخزانة المغلقة”، لا يمكن لحورية أن تعرف ما يخفيه وراءها من وعود أو خيبات.
تمت الخطبة سريعاً، كان الأمر أشبه بـ “صَفْقَة” بين عائلتين، ومهر حورية كان فخماً، يلائم “بنت الميزان”. المشكلة لم تكن في القصور والذهب، المشكلة كانت في القشاط الذي بدأ يشد أكثر وأكثر بعد الزواج.
في ليلة من ليالي زواجهما الأولى، وبينما كانت تجلس أمام مرآتها الكبيرة، لاحظت حورية الفرق:
”نحن ما نتزوجوش وحدة تبرم في الزقاق زي الـ (حَداية) مكانك في الحوش و بس.” قالها عز الدين بصوت بارد، وهو يخلع قميصه.
”لكن… يا عز الدين، وعدتني قبل الزواج أني نكمل قرايتي في الجامعة. أنا ما نبغيش الميزان يكون قيد، نبيه سلم!”
”القراية؟” ضحك عز الدين ضحكة قصيرة لا تصل إلى عينيه. “بنت الميزان ما تخدمش ولا تتعارك مع الطلبة في الجامعة. اسمك يكفي. خليك زي الوردة المحروسة، وهذي هي قيمتك عندي، وعند الناس.”
شعرت حورية بوجع حقيقي، وجع عضلي يضغط على ضلوعها. لم يكن القشاط جلداً يحيط بالخصر، بل كان طوقاً غير مرئي يحيط بـ رغبتها في الحياة. كان “وجع القشاط” يكمن في سحب كل طموحها، وتلخيص وجودها في لقب: زوجة عز الدين، بنت الميزان.
هجرة من داخل الحوش
مرت الشهور ثقيلة، وصارت حورية تعيش حياة مزدوجة. في النهار، كانت سيدة البيت الأنيقة، زوجة الرجل المهم، التي تزور عائلتها في الأعياد. كانت تجيد دورها بامتياز، تبتسم للجميع بينما روحها كانت تتآكل ببطء.
لكن في الليل، كانت تهرب إلى ركنها السري، في غرفة صغيرة عند نهاية رواق المطبخ، حيث وضعت كتبها القديمة ومذكراتها. كانت تكتب كل ليلة، تكتب عن “القشاط” الذي يشد، وعن “الميزان” الذي يميل دائماً لصالح الرجل والتقاليد. كانت تكتب بـ لهجة طرابلسية حادة، ترسم بكلماتها جدران سجنها الذهبي.
في إحدى الليالي، بينما كانت تقرأ مقالاً قديماً عن أديبة ليبية تتحدث عن “صوت المرأة المفقود”، أخذت قرارها.
”القشاط لازم ينفتح، حتى لو اتقطعت أنا معاه.” همست.
لم تطلب الطلاق، فالطلاق لـ “بنت الميزان” يعني تحطيم الميزان كله. بل قررت أن تمد يدها خارج القيد.
🗝️ مفتاح الصندوق القديم
بدأت حورية سراً في استخدام موهبتها في الكتابة. أرسلت قصصها الأولى إلى إحدى الصحف الثقافية باسم مستعار: “زمردة”. كانت قصصها عن نساء محاصرات، عن بيوت خنقت أحلام أصحابها، وعن “وجع القشاط” الذي لا يراه الرجال.
تفاجأت عندما رأت قصتها الأولى، “ريح الفاتحة”، منشورة. لكن الصدمة الكبرى جاءت بعد شهرين.
كان عز الدين يتناول قهوته، والصحيفة مفتوحة أمامه. قرأ مقالاً نقدياً عن الكاتبة الجديدة “زمردة” التي هزت الساحة الأدبية بواقعيتها القاسية.
”هذي تكتب كلام مش معقول! كلام يهدم بيوت ويقلب عادات. من تكون هذي؟” قال عز الدين بغضب.
حورية، التي كانت تقدم له الشاي بالنعناع، ابتسمت ابتسامة خفية لم يرها: “قالت الناس إنها بنت ناس، لكن عايشة في حوش يشبه القفص، وتكتب عشان تنفس.”
في ذلك اليوم، نظرت حورية إلى وجه عز الدين. رأت فيه الجد، والحارة، والميزان، والقشاط. لكنها لم تعد تخشى “الوجع”. أدركت أن كسر القشاط لا يعني بالضرورة هدم الميزان، بل إعادة وزنه.
في المساء، بينما كانت تحرر قصتها الجديدة عن امرأة أخذت قلمها وهجرت الصمت، شعرت أن وجع القشاط بدأ يخف. لأنها أخيراً، بدأت تملك مفتاح الميزان الحقيقي، ميزان روحها، الذي لا يقدره الذهب بل الحرية والكلمة.
كانت حورية “بنت الميزان”، لكنها الآن صارت سيدة قلمها.



