رجالٌ يزرعون الحياة في أجساد الآخرين وأمير جازان يكرمهم

كتب : حمد دقدقي
ليست البطولات كلها تُصنع في ميادين الحروب، ولا تُعلَّق الأوسمة دائمًا على صدور من حملوا السلاح؛ فثمة بطولاتٌ أكثر هدوءًا، لكنها أبقى أثرًا، تُولد في غرف العمليات، حين يقرر إنسانٌ أن يقتطع من جسده جزءًا، ليزرع في جسدٍ آخر أملاً جديدًا، ويمنح قلبًا أنهكه الانتظار فرصةً أخرى للحياة.
هناك، حيث يلتقي الإيمان بالرحمة، ويصافح اليقين معنى الإيثار، يكتب الإنسان أجمل فصول وجوده. فلا يبقى الجسد ملكًا لصاحبه وحده، بل يصبح رسالةً سامية، تتجاوز حدود الذات، لتعلن أن الحياة أعظم حين نتقاسمها مع الآخرين.

ومن هذا الأفق الإنساني الرحب، جاء تكريم صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن عبدالعزيز بن محمد بن عبدالعزيز، أمير منطقة جازان، لثلاثة من أبناء الوطن الذين آثروا أن يكونوا رسل حياة، وهم: ماجد بن محمد زيلعي، وعاصم بن أحمد رفاعي، ومحمد بن جابر موسى الريثي، بعد مبادرتهم النبيلة بالتبرع بأجزاء من أكبادهم وكلاهم، لينقذوا أرواحًا كانت تنتظر بصيص أمل، ويعيدوا إلى بيوتٍ كثيرة دفءَ الفرح الذي كاد أن ينطفئ.
لم يكن ذلك التكريم احتفاءً بأسماءٍ بعينها، بل كان احتفاءً بقيمة الإنسان حين يسمو على ذاته، ورسالةً تقول إن الأوطان العظيمة لا تُقاس بما تملكه من عمرانٍ فحسب، وإنما بما تغرسه في نفوس أبنائها من معاني الرحمة، وما تبنيه في ضمائرهم من ثقافة العطاء.
لقد أدركت القيادة الرشيدة – أيدها الله – منذ وقتٍ مبكر أن بناء الإنسان هو أعظم استثمار، وأن نشر ثقافة التبرع بالأعضاء ليس شأنًا صحيًا فحسب، بل مشروعٌ حضاري وأخلاقي، يُعيد صياغة العلاقة بين أفراد المجتمع على أساس التكافل، ويجعل من الطب رسالةً للحياة، ومن الإيثار أسلوبًا للعيش.
ومن هنا جاءت كلمات سمو أمير منطقة جازان لتلامس جوهر هذه الرسالة، مؤكدًا أن التبرع بالأعضاء هو من أسمى صور العطاء الإنساني، وتجسيدٌ حيٌّ لما يتحلى به أبناء هذا الوطن من نُبلٍ وشهامة، وأن هذه المبادرات المباركة تسهم في إنقاذ الأرواح، وتعزيز جودة الحياة، وترسيخ الوعي المجتمعي بقيمة التضامن الإنساني.
أما أولئك الرجال الثلاثة، فقد اختاروا طريقًا لا يسلكه إلا أصحاب القلوب الكبيرة. لم يطلبوا تصفيقًا، ولم ينتظروا شهرة، بل مضوا في صمت الواثقين بأن أعظم الأعمال هي تلك التي يباركها الله قبل أن يثني عليها الناس. ولعل أجمل ما في مواقفهم أنهم لم يعتبروا ما قدموه بطولةً استثنائية، وإنما واجبًا تمليه الفطرة السليمة، ويزكيه الإيمان، وتباركه الإنسانية.
إن الإنسان قد يترك وراءه مالًا يزول، أو منصبًا ينسى، أو أثرًا تمحوه الأيام، لكنه حين يمنح إنسانًا آخر فرصةً ليعيش، فإنه يكتب اسمه في سجل الخالدين، حيث لا تُقاس العظمة بما يملك المرء، بل بما يمنح.
وهكذا، لم يكن مشهد التكريم في جازان مجرد مناسبةٍ رسمية، بل بدا وكأنه قصيدة وفاءٍ للإنسان، واحتفالًا بالحياة وهي تنتصر على الألم، ورسالةً وطنية تقول إن الخير ما زال يسكن القلوب، وإن في هذه الأرض رجالًا إذا ضاقت الحياة بإنسان، اتسعت له قلوبهم وأجسادهم.
إنها جازان… الأرض التي لا تنبت السنابل وحدها، بل تنبت الرجال، وحيث يصبح العطاء ثقافة، والإيثار هوية، والإنسان أغلى ما فيها، وأجمل ما يُهدى إليها



