ثقافة وفن

خبزٌ بارد على المائدة

هيفاء علي نورالدين

قصة قصيرة

لم تنتبه إلى برودة الخبز إلا حين انكسرت القشرة تحت أصابعها. كانت المائدة في مكانها المعتاد قرب النافذة، لا ينقصها شيء ولا يفيض عنها شيء: صحن زيت، ملعقة صغيرة، كأس ماء، ورغيفان موضوعان بعناية، كأن أحدًا سيجلس بعد قليل. الكرسي المقابل ظلّ فارغًا، لكنها لم تجرؤ على سحبه أو دفعه؛ تركته حيث كان، شاهدًا لا يسأل.

في الصباحات الأولى بعد رحيله، كانت تستيقظ باكرًا وتعدّ الفطور بعجلة، كأن التأخر سيُفوّت عليها عودته. ثم تعلّمت مع الوقت أن البطء أقل إيلامًا.

اليوم، قطعت الخبز نصفين كما كان يفعل، بخط مستقيم لا يترك فتاتًا كثيرًا. توقفت لحظة، نظرت إلى يديها، وسألت نفسها: متى صار التقليد أثقل من الذاكرة؟

فتحت النافذة قليلًا. الهواء بارد، والزقاق ضيق كما هو دائمًا. مرّت جارتها العجوز متكئة على عصا، تجرّ خطاها دون أن تلتفت. صبيّان تشاجرا قرب الباب المقابل، ثم تصالحا بسرعة. ضحك أحدهما، ضحكة قصيرة، واختفى الصوت. الحياة لا تنتظر الغائبين؛ قالتها في سرّها، ثم أغلقت النافذة كمن يغلق كتابًا عند صفحة لا يريد قراءتها.

جلست. سكبت الزيت ببطء حتى لامس أطراف الخبز. رائحة الزيت أعادتها إلى صباح بعيد، حين قال وهو يمدّ يده: «الخبز لا يُؤكَل وحده.» كانت جملة عابرة يومها، صارت الآن ثقيلة، كأنها وصية. ابتسمت ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيها. رفعت قطعة خبز، وضعتها في الزيت، ثم أعادتها إلى مكانها. لم تكن جائعة. لم تكن شبعى. كانت بينهما، في منطقة لا اسم لها.

نظرت إلى الساعة المعلقة فوق الباب. توقفت عقاربها عند وقت لا يهم. فكرت أن تُصلحها، ثم تراجعت. الوقت هنا يسير بطريقته الخاصة؛ لا يقيسه عقرب ولا يُقنعه صوت. قامت، غسلت يديها، وعادت إلى المائدة. الكرسي الفارغ بدا أقرب. مدّت يدها إليه، لم تلمسه.

على الرفّ القريب، وُضعت مفاتيحه منذ ذلك اليوم. لم تُغيّر مكانها. في المساء الأول، فكرت أن تضعها في الدرج، لكنها خشيت أن تضيع. ضياع المفاتيح كان سيعني شيئًا أكبر من ضياع المعدن؛ كان سيعني اعترافًا بما لا تريد قوله. تركتها حيث هي، علامة على باب لم يُغلق تمامًا.

جلست مرة أخرى. قطعت الخبز مرة ثانية، كأنها تُعيد المحاولة. فتات قليل تناثر على المائدة. مسحته بيدها، ثم توقفت. الفتات دليل صغير على أن شيئًا ما حدث. تركته. قالت في نفسها إن النظافة المفرطة تُخفي القصص، وإن الفوضى الخفيفة تسمح للذاكرة أن تتنفس.

سمعت طرقًا خفيفًا على الباب. نهضت بسرعة، ثم تباطأت. فتحت. كان ساعي البريد. سلّمها رسالة بلا اسم واضح، خطّها غير مألوف. شكرته وأغلقت الباب. وضعت الرسالة قرب الخبز. نظرت إليها طويلًا. لم تفتحها. الرسائل تحمل وعودًا، وهي لم تعد تحتمل وعودًا مؤجلة.

عادت إلى النافذة. الشمس ارتفعت قليلًا. الزقاق امتلأ بأصوات لا تعرفها. فكرت أن تخرج، أن تمشي بلا وجهة، لكن المائدة شدّتها. الخبز بارد الآن. مسّت قشرته مرة أخرى. البرودة حقيقة بسيطة، لا تحتاج تفسيرًا. قالت في سرّها إن الأشياء تبرد حين تُترك، وإن القلوب تشبهها أكثر مما نعتقد.

جلست للمرة الأخيرة. رفعت الكأس، شربت رشفة ماء. نظرت إلى الكرسي الفارغ، ثم إلى الرسالة، ثم إلى الخبز. لم تفعل شيئًا. تركت كل شيء مكانه. قامت ببطء، أطفأت الضوء، وخرجت من الغرفة. بقي الخبز على المائدة، باردًا، شاهدًا صغيرًا على صباحٍ لم يكتمل، وعلى انتظارٍ لم يُعلن نهايته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com