الحكواتي الأخير في زمن البودكاست – من طرابلس القديمة

بقلم: هيفاء علي نورالدين
لم يكن يجلس في مقهى، كان يجلس في ذاكرة.
في طرابلس القديمة، حيث يصبح الكلام صدىً بين الحجارة، كان هناك رجل على دكة منخفضة عند مدخل سوق الترك، قريباً من قوس ماركوس أوريليوس. أمامه براد شاي أخضر منعنع، وفانوس، وحوله حلقة صغيرة. أطفال حفاة، بحارة عائدون من ميناء الشعاب، وعجوز تشم رائحة الخبز من كوشة الصفار.
هذا كان حكواتينا. لم يكن يحكي، كان يفتح باباً.
يبدأ بـ “كان يا ما كان يا سادة يا كرام، في سالف العصر والأوان” فيصمت سوق المشير كله. صوته يختلط بأذان المغرب القادم من جامع الناقة، وبرائحة البخور الخارجة من دكان العطار. يحكي عن الغولة، عن الأمير المسحور، عن مركب تاه في بحر السراي الحمراء وعاد محملاً بالملح والحكايات.
كنا نظن أن الحكاية تسلية، واكتشفنا متأخرين أنها كانت كيف نتعلم أن نكون.
ثم اختفت الحلقة.
كبر الأطفال وهاجروا، صار السوق يبيع التذكارات أكثر مما يبيع الحكايات، وصار الصمت الذي كان يصنعه الحكواتي يملؤه ضجيج الدراجات ومواقع التواصل. بحثت عنه تحت قوس ماركوس، في زنقة الفرنسيس، أمام مقاهي باب البحر.. لم أجد الكرسي.
هل مات الحكواتي؟
لا. هو فقط غير مكانه.
وجدته أمس. شاب طرابلسي في العشرين، يجلس في شقة صغيرة تطل على نفس البحر، يضع سماعة كبيرة على أذنيه، وأمامه نفس الفانوس القديم لكنه صار قطعة حديد اسمها “مايكروفون”. ويقول نفس الجملة: “أهلاً، هذه حكاية جديدة”.
لقد عاد حكواتي المدينة القديمة، لكن اسمه الآن “بودكاست”.
الدهشة أن الأدوات لم تتغير كثيراً.
حكواتي المدينة القديمة كان يملك سلاحين: الصمت والتشويق. يصمت قبل أن يقول كيف خرجت عروس البحر من الصندوق، فتسمع قلوبنا تدق. ومذيع البودكاست اليوم يفعل نفس الشيء، يترك ثانية صمت مقصودة قبل اعتراف ضيفه.
كلاهما يبيعك وهماً جميلاً: أنك لست وحدك. أن هناك من يشبهك، من مر بنفس خوفك.
حكواتي الأزقة كان يقول: “يا سادة يا كرام”، وحكواتي البودكاست يقول: “يا أصدقاء، هذه الحلقة لكم”. النبرة واحدة، الحميمية واحدة. كلاهما يجعل صوت غريب أقرب إليك من جارك.
لكن هناك جرح صغير لا بد أن نلمسه.
حكواتي المدينة القديمة كان جماعياً. لا تستطيع أن تسمعه وحدك. يجب أن تكون جزءاً من الحلقة، تضحك لأن الذي بجانبك ضحك، وتخاف لأن العجوز شهقت. كانت الحكاية عقداً اجتماعياً، كانت كيف نعرف أننا ما زلنا أهل.
أما حكواتي البودكاست، فهو فردي وحيد. كل واحد يسمع القصة نفسها، لكن في عزلة تامة. في سيارته في طريق عين زارة، في المطبخ، في سماعتين تمنعان دخول العالم. ربحنا الأرشيف، وخسرنا الحلقة.
كنا نخاف أن تقتل التقنية الحكاية، فإذا بها تنقذها.
جدة كانت تحكي لنا عن “عزوزة القايلة” و”سيدي الاندلسي” فانقطع نسل حكايتها لأننا كبرنا. اليوم، لو سجلت صوتها عشر دقائق في بودكاست، ستبقى حكايتها حية بعد أن يهدم الزمن بيوت الزليز الأزرق.
المدينة القديمة علمتنا درساً: الحجارة تنسى، والحكاية لا تنسى.
لهذا، حين أسمع اليوم شاباً طرابلسياً يحكي في بودكاست عن غربته، أو عن قارب هجرة، أو عن حب فشل عند باب البحر، أعرف أنه ليس شيئاً جديداً. إنه نفس الحكواتي، فقط بدل الجبة الصوفية بتيشيرت، وبدل الدكة الحجرية بكرسي بلاستيك، وبدل “كان يا ما كان” بـ “اضغط زر الاشتراك”.
الحكواتي الأخير لم يمت في طرابلس القديمة.
هو فقط انتقل من تحت قوس ماركوس، إلى داخل هاتفك.



