المعطف

عدنان الدوسري
قصة قصيرة
في مساءٍ شتويٍّ كثيف، بإحدى ضواحي موسكو، أغلقتُ باب الشقة بصمتٍ مقصود، كأنني أخشى أن يوقظ الصوت بقايا دفءٍ عالقةٍ في الذاكرة. كانت ذراتُ الثلج لا تزال متشبثةً بمعطفي الصوفي، تلمع بخجلٍ تحت ضوء الممر الخافت، بينما ترتجف أضلعي لا من قسوة البرد وحده، بل من غربته التي تسللت إلى العظم. مضيتُ نحو غرفتي بخطواتٍ بطيئة، وكان أنينُ الجدران يسبقني، يشكو رطوبةً روسيةً قديمة، رطوبةً تعرف كيف تسكن الأمكنة وتطيل مقامها بعناد.
جلستُ على الأريكة. هناك، في الزاوية الضيقة التي تطل نافذتها على شارعٍ غارقٍ في الثلج، انفتح بابُ الحنين فجأة، بلا استئذان، وسحبني إلى شواطئ العمر الأولى؛ إلى مكانٍ لم أسكنه لأنني وُلدتُ فيه، بل لأن الدفءَ كان يقيم في تفاصيله، في الهواء، في الوجوه، وفي الأشياء الصغيرة التي لا تحتاج سببًا لتمنحك الطمأنينة. رفعتُ يدي ومسحتُ الثلج العالق على المعطف، وحين نظرتُ إليه بعينيها لا بعينيّ، رأيتُ سحائبَ الفرح تزحف ببطءٍ على صحرائي اليابسة، كأنها وعدٌ بمطرٍ يعرف طريقه متأخرًا.
قالتْ بصوتٍ خفيف، كأنه يخرج من موقدٍ بعيد:
– هل تشعر بالبرد؟
لم أجد جوابًا أصدق من إيماءة رأسي. نعم.
ابتسمتْ، وقالتْ بلهجةِ من يربت على قلبٍ مرتجف:
– حرارةُ جسمي ستدفئك الآن.
شبكتْ يديها النحيلتين حول جسدي. كان الدفءُ يحيطني، دافئًا ومألوفًا، ومع ذلك ظل الارتعاشُ مقيمًا في داخلي؛ لا لأن الحرارة ناقصة، بل لأن اللحظة أكبر من أن يحتملها الجسد وحده. أسندتُ رأسي إلى كتفيها، فاستكانت عصافيرُ كلماتي، وهدأت فجأة، كأنها وجدت أخيرًا غصنها الآمن في هذا الشتاء الطويل.
وفجأة، هزتني يدان غريبتان عن الحلم:
– يا صاحبي… شنو؟ نِمت؟
تبخّرت العصافير دفعةً واحدة. فتحتُ عينيّ على ضوءٍ آخر؛ كان زميلُ العمل يقف أمامي، ومعطفي ما يزال على كتفي، والنافذة خلفي ترسم على زجاجها بخارًا أبيض يشبه أنفاسًا محبوسة.
– انهض، العشاء جاهز.
لم أجب. لملمتُ ما تبقى من حلمي المرتبك، دسستُه بعنايةٍ داخل ذلك المعطف الصوفي، وعلّقتُ المعطف قرب الباب، كمن يودّع سرًّا لا يريد له أن يضيع. قلتُ في سري: لعلها تعود يومًا، حين أعرف كيف أفتح الباب على مهل، دون أن يتسرّب بردُ موسكو إلى قلبي.



