ثقافة وفن

درج الطوارئ

هيفاء علي نورالدين

قصة قصيرة

لم يكن درج الطوارئ مخصصًا للاستخدام اليومي، ومع ذلك وجدَت نفسها فيه.
في المبنى الذي تعمل فيه، كان الناس يفضلون المصعد، حتى حين يتعطل، ينتظرونه أكثر مما يجب. أما هي، فقد دفعت باب الطوارئ بيد مترددة، كأنها ترتكب خطأً صغيرًا لا يراه أحد.
الدرج ضيق، رمادي، تفوح منه رائحة رطوبة قديمة. الضوء خافت، والسلالم تنزل أكثر مما تصعد. وقفت للحظة، تستمع إلى صدى أنفاسها، وشعرت بشيء يشبه الانفصال… كأنها خرجت من يومها دون إذن.
نزلت درجة، ثم أخرى.
لم تكن مستعجلة.
كأن كل درجة تمنحها حقًّا صغيرًا في التراجع.
لاحظتُ:
– المخارج الطارئة لا تُستخدم إلا حين نعترف أن الوضع لم يعد آمنًا.
تذكرت كيف بدأت تعمل هنا. كانت تقول: “مؤقتًا”. مرّت السنوات، وبقي المؤقت ثابتًا. تغيّر الزملاء، تغيّرت الطوابق، لكنها ظلت في المكان نفسه، تؤدي مهام لا تكرهها، ولا تحبها بما يكفي لتدافع عنها.
في الطابق الخامس، توقفت. جلست على الدرجة الباردة. لأول مرة منذ الصباح، لم يكن عليها أن تبتسم، أو تشرح، أو تبرر وجودها. الدرج لا يسأل.
لاحظتُ:
– الأماكن المنسية تمنح صدقًا نادرًا.
سمعت صوت خطوات بعيدة، ثم اختفت. كانت وحدها. أخرجت هاتفها، نظرت إلى شاشة سوداء. لا رسائل. لا مكالمات. لم تشعر بالخيبة؛ تعوّدت على هذا النوع من الفراغ.
فكرت في كلمة طوارئ.
متى تصبح الحياة طارئة؟
هل تحتاج إلى حريق، أم يكفي هذا الشعور الخافت بأنك لست في المكان الصحيح؟
نزلت بقية الدرج ببطء. عند الباب السفلي، توقفت مرة أخرى. خلف الباب شارع مزدحم، ضجيج، أشخاص يعرفون أين يذهبون. داخل الدرج، صمت يشبه الحماية.
لاحظتُ:
– أحيانًا، الخروج ليس إلى الخارج، بل إلى الداخل.
فتحت الباب أخيرًا.
الضوء كان قويًا، مؤلمًا قليلًا. أغلقت الباب خلفها، لكنها تركته غير محكم، كما لو أنها تريد أن تترك احتمال العودة مفتوحًا.
سارت في الشارع بخطوات عادية، تشبه الجميع.
لكن شيئًا ما تغيّر.
لم تنقذ نفسها.
لم تتخذ قرارًا.
لم يحدث شيء كبير.
لكنها عرفت، في تلك اللحظة الصغيرة، أن درج الطوارئ لم يكن مجرد ممر…
كان اعترافًا صامتًا بأن هناك دائمًا طريقًا آخر،
حتى لو استخدمناه فقط لنتأكد من وجوده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com