مقالات

حين تُختبر الأخلاق في الواقع

بقلم: أميمة عبد العزيز زاهد

تكمن المشكلة اليوم في أن كثيرين فصلوا بين العبادات والمعاملات، مع أن الإسلام جاء ليجعل السلوك مرآةً صادقة للإيمان، وقد قال النبي ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، فالأخلاق ليست ترفًا سلوكيًا، بل جوهر الدين وروحه.

نحن بحاجةٍ حقيقية إلى أن نجسّد قيم الإسلام في سلوكنا اليومي، وأن نترجم فضائله في تعاملاتنا، وليس أمامنا لبناء علاقات إيجابية متوازنة إلا الكلمة الطيبة؛ فهي واجبة قبل أن تكون مستحبة.
فمن لانت كلمته وجبت محبته، ومن عذب لسانه كثر إخوانه، والكلمة الطيبة لا تكلّف وقتًا ولا جهدًا، لكنها تترك أثرًا لا يزول.

ومهما بلغ الإنسان من مكانة أو منصب، وفي أي مرحلة عمرية كان، فإنه بحاجةٍ إلى من يقدّره ويثني عليه، فكلنا نحتاج إلى أن نشعر بأننا محلّ اهتمام، أو مصدر خير لمن حولنا، وأن نُقابل بالود والاحترام والتقدير.

لكن واقع العلاقات اليوم يكشف حجم التحديات؛ فغالبية ما نعيشه من ضغوط ومشكلات يكون مصدره علاقة إنسانية مضطربة، سواء مع زوج، أو قريب، أو جار، أو زميل عمل.
نرى آباءً يتألمون من سلوك أبنائهم، وأبناءً يشكون قسوة آبائهم، وموظفين يشتكون مديريهم، بل وحتى الصداقة والجيرة لم تسلم من التوتر وسوء الفهم.

ونرى – مع الأسف – ازدواجية في السلوك؛ فكم من إنسانٍ حسن الخلق خارج بيته، قاسٍ داخله، وكم من مظهرٍ أنيق يخفي وراءه فقرًا في الأخلاق، وكم من ابتسامةٍ لطيفة تناقضها تصرفات تفتقر إلى الصدق والاحترام.

وإن اختلاف الآراء أمرٌ طبيعي ناتج عن اختلاف البيئات والثقافات ومستويات الوعي، لكن الاختلاف لا يبرر إيذاء المشاعر، ولا احتقار الرأي الآخر، ولا الغيبة، ولا استباحة الكرامة؛ فالاختلاف رحمة، ما لم يتحول إلى خصومة وعداء.

وقد قال النبي ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، وقال أيضًا: «خير الناس أنفعهم للناس»، والناس هنا تشمل المسلم وغير المسلم، في دلالة واضحة على إنسانية الإسلام وشموليته.

فالدين ليس صلاةً وصيامًا فقط، بل معاملة تعكس حقيقة الإيمان، وقد تكون سببًا في هداية الآخرين أكثر من أي خطاب أو موعظة.
وحين تتحول الأخلاق إلى سلوك يومي، تصبح المحبة أسلوب حياة، ويغدو الدين حاضرًا في القلوب… ومرئيًا في الأفعال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com