وجعٌ لا يُشبهه وجع
أميمة عبدالعزيز زاهد
ذقتُ مرارة الفقد كثيرًا في حياتي. فهذه هي سنة الحياة، فقد رحل عني أحبة وأصدقاء، حتى غدا الفقد رفيقًا لا يكاد يغيب عن أي مرحلة من عمري. لكن حين رحل والدي، رحمه الله، عرفت معنى اليُتم، وظننت يومها أنني بلغت أقصى ما يمكن أن يحتمله الإنسان من ألم.
ثم بعد ذلك بسنواتٍ عديدة رحل قرة عيني، فانطفأت شمعةٌ كانت تنير دروبي، وتزيل همومي، وتشد من أزري. وبرحيله رحل السند، والمرفأ، والمرسى، وعرفت لحظتها بأن الأحزان لا تُقاس ببعضها، وأن لكل فَقْدٍ وجعه، ولكل دمعةٍ حكايتها، لكن وجع الأم على ابنها…وجعٌ لا يُشبهه وجع.
سنواتٌ مرّت وأنا أحاول أن أُخرج ما في قلبي، وأكتب عنه، لكن كلما أمسكتُ قلمي لأحكي، خانتني كلماتي، وكأنها تعترف بعجزها أمام ما يسكن قلبي. أحاول أن أستعيد صوته، وضحكته، وحديثه، فأجده حاضرًا في ذاكرتي كأنه لم يغب يومًا، لقد غاب جسده عن عيني، ولكن حضوره لا يغيب عن روحي.
قالوا إن الأيام كفيلة بأن تخفف ألمي وحنين قلبي، لكنني لم أجدها إلا أنها علمتني كيف أتعايش مع وجعي. فالحنين إليه لا يعرف زمنًا، والشوق لا يعترف بمرور الأعوام، والفراغ الذي تركه في حياتي لم يملأه شيء، ولن يملأه أحد. فولدي لم يكن جزءًا من حياتي… بل كان حياتي كلها
فهو حاضر في كل أيامي. أتذكره في دعائي، وفي صلاتي، وفي صمتي، وفي كل زاوية من زوايا البيت، وكل الأماكن التي زرناها، وما أكثر الأوقات التي عشناها معًا. فكم كان حنونًا، عطوفًا، كريمًا، معطاءً، وابنًا بارًا مسؤولًا، وأخًا يبذل كل جهده لإسعاد من حوله، وأولهم أنا. فقد كان حريصًا على ألا يراني حزينة، وكان من نظرةٍ عيني يعرف ماذا أريد دون أن أتكلم. ولا يمضي يومٌ دون أن يتصل بي، ويسألني عن احتياجاتي، ويطمئن على أحوالي ويطلب مني الدعاء له في كل خطوةٍ من خطوات حياته
لقد كان رحمه الله مستودع أسراري، وصديق قلبي قبل أن يكون ابني،
وما كان يسعدني أنه كان يفخر بي دائمًا، ويتحدث عني بكل اعتزاز بين أصدقائه، وأمام الكبير والصغير، وكان يفرح بكل نجاح أحققه، ويحتفي بكل إنجاز أصل إليه، حتى أشعر أن فرحته بي تفوق فرحتي بنفسي رغم أن سعادتي الحقيقية أن أراه سعيدً
وكم أشتاق لسماع صوته، ولضحكته، ومرحِه، وبهجته، وإلى وجوده الذي كان يملأ البيت حياةً لم أعد أشعر بها اليوم. حتى التفاصيل الصغيرة التي كنت أظنها عابرة، اكتشفت بعد رحيله أنها كانت من أعظم نعم الله عليّ، وأن النعم لا تُعرف حقيقتها إلا بعد غيابها.
لقد علمني رحيله أن بعض الغياب لا يصبح عادة، وأن بعض الشوق لا يهدأ مهما امتدت السنين، وتعلمت كيف أحمل غيابه معي ، حتى يأتي الموعد الذي يجمعني الله به، وأن اللقاء الذي حُرمناه منه في الدنيا سيكتبه الله لنا، بإذنه تعالى، في دارٍ لا فراق فيها.
لقد استودعتُ ولدي عند الله، وأسأله سبحانه وتعالى أن يشمله بعنايته ورحمته، وأن يرضى عنه، فإني أُشهده سبحانه أنني راضية عنه تمام الرضا وكماله، وأن يجمعني به في مستقر رحمته، حيث لا وجع، ولا فراق، ولا دموع، وأن يجعل الصبر نورًا، واللقاء في جنات النعيم هو الوعد الحق ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾



