الأولىمقابلات وتقارير

قناة ذكريات .. تعيد “روح رمضان” إلى البيوت السعودية

جدة – فواز المالحي

تتسابق القنوات الفضائية على تقديم أحدث التقنيات والإنتاجات الضخمة، اختارت قناة ذكريات السعودية أن تسلك طريقاً مغايراً، لتقود المشاهد في رحلة حنين تعيد إحياء الذاكرة للمجتمع السعودي. لم تكن مجرد قناة لعرض الأرشيف، بل تحولت إلى مجلس عائلي يجمع الأجيال حول شاشة كانت، ولا تزال، هي المصدر الأول للثقافة والترفيه الرصين.

توليفة رمضانية.. من “الفطور” إلى “السحور”

نجحت القناة في إعادة رسم الخارطة البرامجية لرمضان زمان، متميزة بجودة الإنتاج التلفزيوني القديم الذي اتسم بالبساطة والعمق. تبدأ الرحلة اليومية بجرعة روحانية من خلال برامج الإفتاء والدين، حيث يطل برنامج “اسألوا أهل الذكر” ليعيد للأذهان وقار العلماء ولغة الخطاب الديني المعتدلة التي تربى عليها الأجيال.

ومع اقتراب موعد الإفطار، تبرز برامج الأسرة والطبخ القديمة، التي لم تكن مجرد وصفات طعام، بل كانت تعكس نمط الحياة الاجتماعي والاقتصادي في تلك الحقبة، ممتزجة ببرامج الأطفال والقصص التربوية التي تصدرها مسلسل “بابا فرحان”، الشخصية التي لا تزال تسكن وجدان الكبار قبل الصغار.

أصوات الراحلين.. تراتيل السماء في مآذن الحرمين

ولعل أسمى ما قدمته قناة “ذكريات” في دورتها الرمضانية، هو حرصها البالغ على إعادة بث صلوات التراويح والتهجد التي كانت تُنقل قديماً من رحاب المسجد الحرام والمسجد النبوي. هذه التسجيلات لم تكن مجرد مواد فيلمية، بل هي استعادة لأصوات ندية لأئمة الحرم المكي، منهم من انتقل إلى رحمة الله وترك خلفه إرثاً تالياً لا ينسى، ومنهم من غادر المنبر وبقيت أصواته محفورة بين مآذن الحرمين الشريفين. هذه التلاوات الخاشعة أعادت للمشاهدين الأجواء الروحانية التي ارتبطت بليالي رمضان القديمة، حيث كان الصوت والترتيل يملآن البيوت سكينة وطمأنينة.

الكوميديا والمسابقات.. ذروة الترفيه 

لا يمكن الحديث عن ذاكرة التلفزيون السعودي دون المرور بمحطة الكوميديا الساخرة والهادفة. فقد أعادت “ذكريات” بريق الأعمال الخالدة مثل “طاش ما طاش” في بداياته، و”خلك معي” للفنان الراحل محمد العلي، وهي أعمال استطاعت معالجة قضايا المجتمع بأسلوب نقدي ذكي وبسيط.

أما في جانب التحدي والذكاء، فقد استعاد المشاهدون حماس برامج المسابقات الكبرى، وعلى رأسها برنامج “حروف” الذي كان مدرسة في الثقافة العامة، وبرنامج “سباق المشاهدين” الذي كان يربط المشاهد من خلف الشاشة بالاستوديو في أجواء تفاعلية لم تعرف التكلف.

الفوازير والدراما.. تدبر ومتعة

ولم يغب الجانب المعرفي عن الشاشة، حيث أعادت القناة بث الفوازير القديمة للكبار والصغار، والتي كانت تتميز بكونها قوالب تحفز على قراءة القرآن الكريم واستخراج المعاني والكلمات، مما يضفي صبغة تعليمية على الترفيه. وفي المساء، تأخذ الدراما والمسلسلات الواقعية المشاهد إلى قصص إنسانية وحماسية من عبق الإنتاج العربي والسعودي المشترك.

سحور ليالي رمضان.. سحر الحكايا

وفي الساعات الأخيرة من الليل، تخصص القناة مساحة للبرامج الدينية والفكاهية الخفيفة، مثل مسلسل “بسم الله الرحمن الرحيم” وقصص “جحا” الشهيرة، لتصنع بذلك ختاماً مثالياً لليلة رمضانية تجمع بين الوعي والابتسامة، وتهيئ النفوس لوجبة السحور في أجواء مفعمة بالهدوء والسكينة والدعاء الذي تصاحبه مشاهد مريحة للذهن والعين .

قناة ذكريات من خلال هذا التنوع الثري، أثبتت أن المحتوى الجيد لا يموت بمرور الزمن. لقد استطاعت أن تحول الأرشيف من مجرد أشرطة قديمة إلى محتوى حيوي ينافس بقوة في سوق المشاهدة، مؤكدة أن الهوية السعودية وتراثها التلفزيوني هما الكنز الحقيقي الذي يلتف حوله الجميع مهما اختلفت العصور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com