مقالات

قراءة نقدية في قصة (الحكواتي) للقاص:أنس عمر بدوي

قراءة: الناقد عادل النعمي.
النص / الحكواتي
محشش شاف واحد فوق عينه حبة خال، قاله بالله عليك هذي عين ولا غين؟
هل أضحكتك ؟ لا ؟ لنجرب غيرها .. خذ هذه: فيه بنتين وحدة بكت والثانية ولاعة .. ولا هذه أيضاً؟ لا تقلق أملك العشرات بل المئات غيرها إنها طريقتي في نيل الحظوة أو السطوة.
لا أدري كيف بدأ الأمر ربما عندما شددت بنطال أبي لأسترعي انتباهه، وبالرغم من أنه كان عجلاً كعادته إلا أنه توقف فور سماعه الكلمة السحرية “عندي نكتة”!
-هاه بسرعة
-فيه نملة ما تقدر تدخل من تحت الباب ليييششش؟
-لابسة كعب!
-هههههه
أطلقها سريعةً ومضى، فلم أبرح مكاني! أهذه ضحكة أم أني أتوهم ؟ فاق وقعها كل ذكرياتي مع رشا رزق وطارق العربي مجتمعين!
في اليوم التالي استكتبت أصدقائي “نكت النمل” … وحفظتها جميعا! وفي المنزل شرعت بسردها لوالدي تباعاً دون توقف، خشيت أن يمضي بينما ألتقط أنفاسي…
حدثته عن النملة الزرقاء لأنها ترتدي جينز وعن التي (تمغطت) فانقطعت وعن التي صعدت كأس عصير الفراولة فقالت أخيراً شفت البحر الأحمر!
بدأت أسوار أبي تنهار عند النكتة الثالثة أو الرابعة ومع نكتة الأصلع الذي أراد أن يُنزل نملة من على رأسه فقالت له تكفى آخر زحليقة دُكّت حصونه تماماً وضحك من قلبه!
أخذت ألهث ككلب بعد نفاد النكت، وحظيت هذه المرة بتربيتة
لم أرتو ولعلها زادت ظمئي، فالنكت لا تشبع بطن أبي ولا بطني إذ أنها مثل حبات بذور دوار الشمس، تحطم الواحدة في ثانية وتتحسس يدك حبة بعدها فحتى مع حفظي للعديد من النكات لم أستطع اقتطاع أكثر من عشر دقائق، وعندما يستزيدني أُبهت وأبقى حائرا فيمضي.

وجدت البديل، وإن لم أهجر النكت تماماً… قصص العرب! كتاب علاه الغبار في مكتبتنا بل أقرب ما يكون لمغارة كنوز، أخذت أعبئ جيوبي بساعات من القصص دون أن تنفد.
مشيت متبختراً بجوار حارسي الشخصي عنترة، وإذا أتعبني المشي حملني النعمان بن المنذر على أكتافه، فيما يتناوب قيس وليلى على حمل حقيبتي، وحتى عند عجزي عن فهم كلامهم أؤدي دور المسجل ببراعة لأنقل ما قرأته بالحرف.
توسعت نشاطاتي بعدها ووجدت السلوى في غير أبي فصرت فاكهة المجالس وبلبل السامعين وسلخت شطراً من عمري وأنا حكواتي
بالأمس باغتني أحد الحضور بسؤال:
* عطنا قصة.
* ايش تبغى، داحس والغبراء؟ ولا البسوس .. تدلل!
-لا لا نبي قصة عنك أنت.
اشرأبت الأعناق وتقافزت الأعين تجاهي!
-كيف يعني ؟
* قصة يا خوي! .. قصة لك… أكيد صارت معك قصص مثل الي ترويها حكينا.
-أء أء أبشر مرة من المرات كنت في مجلس وطلبوني داحس والغبراء وتعرفون أن داحس والغبراء فرسين لبني عبس…
قاطعني: نعرف داحس والغبراء وحتى لو ما نعرفهم ما نبيهم، نبيك أنت!
– طيب ثواني بس أستأذنكم عندي مكالمة وأبشروا بالي يرضيكم

هربت من المجلس ولم يعد يوقفني أحد، وحين مررت قرب المرآة لم اسألها من أنا، اكتفيت بأن خفضت بصري ومضيت… أخشى أن تطلب مني قصة أخرى.

القراءة النقدية
مقدمة
هذا النص لا يبدأ كما يبدو، يفتتح بنكتة ساذجة، يعدك بالضحك، ويرمي بين يديك طرف شعبية، لكنه يسحب البساط تحت قدميك بهدوء، ويضعك أمام واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية صمتًا وإيلامًا: أن يكون الإنسان حكواتيًا يحفظ ألف قصة، ولا يملك قصة عن نفسه، ما تقرأه ليس أقصوصة بالمعنى التقليدي، بل وثيقة أدبية تشتغل على طبقات متعددة في آنٍ واحد: الفكاهة بوصفها اتسجداءً عاطفيًا، والتراث بوصفه ملجأً وجوديًا، والهروب بوصفه اعترافًا لا يقال، هذا المقال يقرأ النص من داخله، ويربطه بروحه الكبرى في الأدب العالمي!
أولًا: الافتتاحية الخادعة ومنطق التوقع المخذول… يفتتح النص بنكتة ساذجة ظاهريًا، لكن هذه الافتتاحية ليست بريئة في بنائها، إنها طعم سردي متقن، يوهم القارئ بأنه أمام نص هزلي خفيف، ثم يسحبه في لحظة مفاجئة إلى فضاء آخر تمامًا، ما إن ينتقل الراوي من النكتة إلى جملة مثل “شددت بنطال أبي لأسترعي انتباهه”، حتى يتحول المشهد بالكامل، الضحك الذي وُعِد به القارئ لم يأتِ، أو جاء ثم ذاب في شيء أثقل منه، وهذه المفارقة الوجدانية هي الآلية الجمالية الأولى في النص: يعدك بالكوميديا ويسلّمك المأساة ـ تباً لك يا أستاذ أنس ما هذه العبقرية!

هذا المسار لا يكاد يخطئه من قرأ أنطون تشيخوف، في قصصه القصيرة (كـالحجرة رقم 6) أو (موت موظف)، يبدأ السطح بدعابة أو موقف يومي، لكن المشهد يتكشف تدريجيًا عن وحدة إنسانية عميقة، نبتسم أولًا، ثم نكتشف متأخرين أن المشهد كان موجعًا منذ البداية، النص الذي بين أيدينا يشتغل بالطريقة ذاتها: النكتة ليست نكتة، بل هي باب يفتحه الطفل نحو أبيه الغائب!

ثانيًا: النكتة بوصفها استجداءً عاطفيًا: الطبقة النفسية الأعمق في النص هي ما يمكن تسميته )استجداء الانتباه العاطفي) الأب حاضر جسديًا وغائب وجدانيًا، والطفل يكتشف مبكرًا وسيلة اختراق هذا الغياب: النكتة، حين يقول “عندي نكتة”، فهو لا يقول في الحقيقة “عندي نكتة”، هو يقول: انظر إليّ، ابقَ قليلًا، لا تمضِ الآن، عبارة “عندي نكتة” تتحول داخل النص إلى ما يشبه التعويذة السحرية، كلمة قادرة على إبطاء الزمن ولو لثوانٍ، الضحك لا يُطلب لأنه ممتع، بل لأنه العملة الوحيدة التي يملكها الطفل ليشتري بها لحظة حضور أبيه!

وهنا يلتقي النص بما كتبه فرانز كافكا في رسالته الشهيرة إلى والده؛ ذلك الأب الجافّ الشامخ الذي لا يُستردّ إلا بثمن عالٍ، وذلك الابن الذي يتحول في السعي إلى (استرضائه) إلى كائن لاهث، مشوّه من الداخل، يركض ويروي ويؤدي، دون أن يصل فعلًا، الوصف الذي يوظّفه الراوي، (أخذت ألهث ككلب) يحمل هذه الطاقة الكافكاوية بعينها: الكدح المتواصل لنيل انتباه سلطة داخلية صارمة تمنح رضاها بالقطارة،!

ثالثًا: الرمز المركزي وتشريح الصورة: من أجمل ما في النص صورة واحدة تختصر روحه كلها: “النكت لا تشبع بطن أبي ولا بطني( إنها مثل حبّات بذور دوار الشمس” هذه الصورة لا تعمل فقط على المستوى الجمالي، بل على مستوى إعادة تعريف النكتة كليًا، النكتة ليست لذة، بل فعل تعويضي تكراري، كل حبة تستدعي الحبة التالية، وكل ضحكة تفتح جوعًا جديدًا لضحكة أخرى، وهذا بالضبط ما يفعله الاحتياج العاطفي حين لا يُشبع: … يتكاثر!
غير أن الرمزية في النص لا تقف عند هذه الصورة، النملة التي تتكرر في النكات ليست مجرد مادة هزلية، إنها، حين تتراكم، تكتسب وظيفة رمزية: كائن صغير يكاد لا يُرى، ويحمل الراوي عليه مشروعه كله، النملة صورته هو: صغير، سريع، يكدح كي يُلاحَظ، وحين يضحك الأب، يشعر الطفل بالانتصار ذاته الذي تشعر به النملة حين تصل إلى القمة بحملها الثقيل!

رابعًا: التصعيد الداخلي وبنية القوس السردي من أكثر ما يميز هذا النص تقنيًا أن تصعيده لا يعتمد على حدث خارجي كبير، بل على تراكم داخلي دقيق في الرغبة والتوتر والانكشاف، خط التصعيد يسير في طبقات متتالية: نكتة لجذب ضحكة، ثم ضحكة تصير رغبة، ثم رغبة تصير إدمانًا على الحكي، ثم حكي يملأ المجالس، ثم مجلس كامل يعجز صاحبه أمام سؤال واحد عن نفسه!

في المرحلة الأولى يلهث الطفل بنكاته خلف أبيه المسرع، في المرحلة الثانية ينتقل إلى التراث: عنترة، النعمان، قيس وليلى، داحس والغبراء، الشخصيات لا تُقرأ بل ترافقه، تمشي بجواره وتحمل حقيبته، كما لو أن الكتب لم تعد كتبًا بل عوالم موازية يسكنها، وهذا يذكرنا بما نجده عند خورخي لويس بورخيس، حين تتحول القراءة إلى مكان قابل للحياة لا مجرد صفحات، حين يضيع الإنسان في دهاليز النص حتى يفقد حدود ذاته، الراوي هنا استعاض عن (عالم الواقع)… (بعالم النص) وضاع داخله حتى لم يعرف أين تنتهي قصة البسوس وتبدأ قصته الشخصية!

خامسًا: ذروة المأساة ومأزق الهوية الضربة الأجمل في النص كله تأتي في ذروته: )ما نبيهم، نبيك أنت( هذه الجملة القصيرة هي اللحظة التي يُنزع فيها القناع عنوة، الحكواتي الذي يحفظ مئات القصص، ويملأ المجالس، ويستحضر التاريخ والشخصيات، يفشل فجأة حين يُطلب منه أن يحكي ذاته، وهذا الموقف يتقاطع بعمق مع فلسفة الإيطالي لويجي بيرانديللو في مسرحيته (ست شخصيات تبحث عن مؤلف): البطل تحول إلى مؤد يرتدي أقنعة عنترة وقيس، وحين طلب منه نزع القناع ليرى الناس وجهه الحقيقي، اكتشف أنه بلا وجه، إنه يشبه تلك الشخصيات المعلقة التي تبحث عن هوية حقيقية خارج النص المكتوب سلفًا!

والأكثر إيلامًا أن هذا الفشل لا يصدر عن جهل، بل عن معرفة، الراوي يعرف أنه لا يعرف نفسه، ولعل هذا هو أعمق ما في النص: الوعي بالغياب دون القدرة على ملئه، وهو وعي يقترب مما كتبه مارك توين في سخريته المرة؛ إذ تتحول الفكاهة عنده إلى لغة يخفي بها الإنسان هشاشته الحقيقية وحاجته إلى الاعتراف، الراوي ضاحك دائمًا لأنه يخشى أن يصمت!

سادسًا: البنية الدائرية والنهاية المفتوحة النص يسير في بنية دائرية محكمة، يبدأ بسؤال نكتة (“هذي عين ولا غين؟”) وينتهي بسؤال الهوية الصامت أمام المرآة، غير أن الدائرة لا تنغلق بل تتسع، لأن ما أُغلق في البداية كان بابًا للضحك، وما انفتح في النهاية كان هاوية.

حين خرج من المجلس ولم يوقفه أحد، لم يكن ذلك مجرد انسحاب جسدي، بل كان إعلانًا صامتًا عن انهيار المشروع كله الرجل الذي بنى حياته على أن يكون مرئيًا بالكلام خرج أخيرًا دون أن يطالبه أحد بالبقاء، وهذا وحده فضيحة هادئة تقول ما لا تجرؤ الحكاية على قوله.

ثم جاء المشهد الأكثر إيلامًا: المرآة! مرّ بجانبها ولم يسألها من أنا، واكتفى بأن خفض بصره ومضى.
المرآة في نهاية النص ليست مرآة زجاج، بل رمز الهوية الكاملة! وفي هذا الخفض كل شيء، لم يكن عجزًا عن الرؤية، بل رفضًا واعيًا للمواجهة.

الرجل الذي يملك ألف قصة يعرف جيدًا ما ستقوله المرآة لو سألها، ولهذا بالضبط لا يسأل! النظر يعني المواجهة، ومواجهة الذات أخطر من مواجهة الجمهور… هو يستطيع أن يملأ مجلسًا كاملًا بالحكايات، لكنه لا يستطيع أن يقف أمام مرآة ويحكي.

وتأتي الجملة الأخيرة لتختم النص باعتراف وجودي مكتوم: “أخشى أن تطلب مني قصة أخرى”.
القصة التي يخشاها ليست قصة جديدة عن نملة أو بطل، إنها قصته هو، القصة الوحيدة التي لم يتعلم روايتها طوال عمره.
الهروب هنا ليس من المجلس، بل من السيرة الذاتية، من مواجهة السؤال الأصعب: من أنت حين تسقط كل الحكايات المستعارة؟ وهو يعرف الجواب، ولهذا بالضبط لا يقف.
وجمالية هذه الخاتمة تكمن في أن الطاقة المتراكمة كلها، منذ النكتة الأولى حتى المجالس الأخيرة، لا تفرغ بالكلام ولا بالصراخ ولا بالاعتراف المباشر، بل بالصمت والانسحاب… وهذا يجعل أثر النهاية مضاعفًا، لأن ما يُقال أقل مما يُضمر، وما يُضمر أثقل من أي نكتة.
ختاماً: يبدأ هذا النص بسؤال للنكتة وينتهي بسؤال الهوية الصامت، وبين هذين السؤالين تقع رحلة كاملة: طفل يبحث عن ضحكة أبيه، شاب يختبئ خلف عنترة وداحس، رجل يملأ المجالس، ثم إنسان يمرّ بجانب مرآة ويخفض بصره ويمضي دون أن يسألها شيئًا. النص لا يمنحك إجابة، بل يتركك في مواجهة السؤال ذاته الذي هرب منه راويه: ماذا يتبقى من الإنسان حين تنتهي كل القصص المستعارة؟ وهذا بالضبط ما يجعله أدبًا حقيقيًا: لا يريحك، بل يجعلك تحمل وزنه معك حين تغلق الصفحة، وربما تمر أنت أيضًا بجانب مرآة وتخفض بصرك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com