مقالات

عالم القلوب والأرواح

أميمة عبدالعزيز زاهد
هناك عالم لا يُرى بالعين، ولا تُدركه المقاييس المادية… عالم القلوب والأرواح.
عالم تتحرك فيه المشاعر دون تخطيط، وتتكوّن فيه الألفة أو النفور قبل أن يتدخل العقل.

كم مرة شعرنا بارتياح تجاه شخص منذ اللقاء الأول؟
وكم مرة أحسسنا بمسافة خفية بيننا وبين آخرين دون سبب واضح؟
لا معرفة سابقة، ولا مواقف كبيرة، ومع ذلك يحدث الميل أو الابتعاد في صمتٍ عجيب.
فالتآلف لا يصنعه الوقت وحده، ولا المحبة نتيجة مجاملة عابرة، بل قد يكون اتفاقًا في القيم، أو تشابهًا في الطباع، أو صفاءً في النية يلتقي بصفاءٍ مثله.
نجد في حياتنا أشخاصًا نرتاح لمجرد رؤيتهم، نبتسم حين يمرّون، ويهدأ شيء في داخلنا دون أن نعرف لماذا.
لم يقدموا لنا معروفًا لكن أرواحهم لامست شيئًا في أرواحنا.
وفي المقابل، قد نقابل من لا نشعر بالانسجام معهم، لا خصومة بيننا، ولا إساءة واضحة، لكن هناك اختلافًا في الإيقاع الداخلي، وكأن الأرواح لم تجد ما تتعارف عليه.
وقد فسّر العلماء معنى “جنود مجندة” بأنها أرواح متشابهة في صفاتها، تنجذب لما يشبهها، وتنفر مما يخالف طبيعتها.
فالإنسان يميل غالبًا إلى من يشاركه المعنى ذاته في الحياة، ويطمئن لمن يقترب منه في الخلق والنظرة والغاية.

ولهذا رأينا كيف تألّفت قلوب المهاجرين والأنصار، رغم اختلاف البيئات، فجمعهم الإيمان، ووحّدتهم القيم.

التجاذب الحقيقي يكون بين الأرواح، لا بين المظاهر.
فالمظهر قد يلفت النظر، لكن الروح هي التي تمنح الشعور بالطمأنينة.

ربما لذلك نقول أحيانًا: “هذا الشخص يرتاح له قلبي”، فنحن لا نصف شكله، بل نصف أثر روحه فينا.

فالقلوب الصافية تُشبه بعضها، والأرواح الطيبة تبحث عن نظيرتها.
والإنسان في النهاية يميل إلى من يشبهه في الداخل لا في الظاهر.

فلنحرص أن تكون أرواحنا أنقى، ونياتنا أصدق، فمن صفا داخله… وجد من يأنس به دون عناء، وتآلفت معه القلوب قبل الكلمات.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الأرواح جنود مجندة؛ فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com