لاتكوني مثلها.. قصة قصيرة

هيفاء نورالدين
امرأة تمشي وحدها في ظهيرة طرابلس، لم تكن هذه أول مرة تمشي فيها وحدها.
لكنها كانت المرة الأولى التي تمشي فيها بلا عودة.
في طرابلس، الظهيرة تفضح الجميع.
الشمس لا تترك زاوية للستر،
والمدينة — مثل عجوزٍ فضوليّة — تعرف كيف تحدّق طويلًا دون أن ترمش.
اسمها لم يعد مهمًا.
فمنذ عامين، حين خرجت من بيت العائلة بحقيبة صغيرة، تحوّل اسمها إلى همسة، ثم إلى تحذير، ثم إلى مثال يُقال للبنات قبل النوم:
“لا تكوني مثلها.”
كانت مخطوبة لرجل يكبرها بعشرين عامًا، رجلٍ لا يبتسم إلا أمام الناس.
وفي البيت، كان صوته حادًا كالسكاكين الموضوعة بعناية فوق الطاولة.
لم يضربها يومًا، لكنه علّمها كيف يُكسَر الإنسان بالكلمات فقط.
وحين قررت أن تتركه، لم يغضب لأنه يحبها، بل لأن امرأة قررت.
أعادها أهلها إلى البيت شهرين.
شهرين من الصمت الثقيل،
ومن نظرات إخوتها التي تقول: “من سيأخذك الآن؟”
في تلك الليلة، سمعت أمها تبكي خلف الباب.
لا عليها…
بل عليها منهم.
خرجت دون وداع.
لا بطولية في الأمر.
كانت فقط تريد أن تتنفس.
الآن، وهي تمشي تحت شمس الظهيرة،
تشعر أن المدينة تحفظ قصتها أكثر مما تحفظ هي نفسها.
تمرّ بجانب مقهى كان يجلس فيه خطيبها.
لا تنظر.
تمرّ بجانب بيت صديقتها التي لم تعد تتصل.
لا تتوقف.
تصل إلى البحر.
البحر وحده لا يسأل.
لا يدوّن أسماء الخارجات عن الطاعة.
ولا يهتم إن كانت امرأة تمشي وحدها.
تخلع حذاءها.
تضع قدميها في الماء.
تشعر بشيء يشبه الغفران.
تفتح حقيبتها.
تُخرج عقد الخطوبة.
تنظر إليه طويلًا.
لا ترميه.
تعيده إلى الحقيبة.
ليس لأنها تراجعت
بل لأنها أدركت أن الشجاعة ليست دائمًا مشهدًا دراميًا.
أحيانًا الشجاعة أن تعيشي…
وهم يظنون أنكِ خاسرة.
عند الغروب، تبدأ الظلال في الظهور.
والمدينة ترتاح من ضوء الحقيقة.
تمشي عائدة.
إلى أين؟
لا أحد يعرف.
حتى هي.
لكن في تلك الظهيرة،
امرأة واحدة على الأقل
لم تكن ظلًا.



