مقالات

سلطان الأحمري.. المدن لا تنسى رجالها، والإنجاز يصنع طريقه إلى الثقة

3 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

كتب : حمد دقدقي

في أوطانٍ تعرف قيمة العمل، لا تأتي القرارات الإدارية وليدة المصادفة، ولا تُصاغ الثقة بحبر المجاملة، وإنما تُكتب بسجلٍ طويل من الإنجاز، وتُوقَّع بما تركه أصحابها من أثرٍ في الأرض قبل الأوراق. فالمناصب في الدولة الرشيدة ليست غايةً يُتسابق إليها، بل مسؤوليةٌ تنتقل إلى من أثبت أن كتفيه قادران على حملها، وأن الميدان قد شهد له قبل أن تشهد له القرارات.
ومن هذا المعنى الوطني العميق، صدر قرار أمين منطقة جازان بتكليف المهندس سلطان بن محمد الأحمري رئيسًا لبلدية محافظة الداير، بعد تجربةٍ ثرية في قيادة بلدية محافظة جزر فرسان، تجربةٍ لم تكن مجرد إدارةٍ لمرفقٍ بلدي، بل كانت حكاية تنميةٍ كُتبت بين البحر والجزر، وصياغةً جديدة لعلاقة المكان بأهله، والتنظيم بطموحه، والخدمة العامة برسالتها.
لقد كانت فرسان أكثر من محافظةٍ ساحلية؛ كانت كتابًا مفتوحًا على صفحة البحر الأحمر، تُقلبه الرياح كما تُقلب الأيام صفحات التاريخ. هناك، حيث تمتد الرمال البيضاء حتى يلامسها الأفق، وحيث تُحلّق الطيور فوق محميةٍ طبيعيةٍ نادرة، وتستريح النخيل على ضفاف الهدوء، أدرك سلطان الأحمري أن المدن لا تُبنى بالإسمنت وحده، وإنما تُبنى بالفكرة، وتُحرس بالرؤية، ويُعاد اكتشافها كل يومٍ بإرادةٍ لا تعرف التراجع.

ولذلك لم تكن السنوات التي قضاها في فرسان سنوات إدارةٍ تقليدية، بل كانت ورشةً مفتوحة للعمل. فأنشأ مركز المدينة وفق أحدث مفاهيم الإدارة الذكية، مزودًا بغرفة عمليات وشاشات متابعة ومنظومة تحكم حديثة، لتصبح الخدمة البلدية أكثر سرعةً ودقة، وليتحول القرار من ردّة فعل إلى قراءةٍ واعية للميدان.

ثم مضى إلى المركز الحضاري، فأعاده إلى الحياة بعد أن ألبسه ثوبًا جديدًا من التطوير والتأهيل. جُدد المسرح، واستُحدثت القاعات والمكاتب، وأنشئت قاعة استقبال فاخرة استلهمت روح العمارة الفرسانية، لتكون واجهةً تليق باستقبال سمو أمير المنطقة وسمو نائبه وكبار المسؤولين، ولتؤكد أن الهوية ليست ذكرى تُحفظ، بل جمالٌ يُعاد تقديمه في كل مشروع.

وكان يؤمن أن المدن تُقاس بقدرتها على منح الإنسان فسحةً للحياة، لذلك امتدت أعمال التحسين إلى المماشي والواجهات البحرية، من شارع الميناء حتى شاطئ الغدير، فأصبحت تلك المسارات شرايين للجمال، يلتقي فيها البحر بالمدينة، ويلتقي الإنسان بالمكان في مشهدٍ تتصالح فيه التنمية مع الطبيعة. كما شملت أعمال التطوير إعادة تأهيل الملاعب والمرافق العامة، لتصبح أكثر قدرةً على خدمة المجتمع، وأكثر انسجامًا مع مستهدفات جودة الحياة.
وفي الاستثمار، لم يكن ينظر إلى الأرض بوصفها مساحةً صامتة، بل فرصةً تنتظر من يوقظها. ولهذا دُرست المواقع الاستثمارية، وطُرحت بالتنسيق مع أمانة منطقة جازان، وفي مقدمتها شاطئ الحريد، الذي لا يحمل قيمةً سياحية فحسب، بل يحمل ذاكرة مهرجانٍ وطني ارتبط بتاريخ فرسان وثقافتها البحرية. كما استقبل وفود الأمانة، وبحث معهم سبل تنمية القطاع الاستثماري، واضعًا نصب عينيه أن الاقتصاد المحلي هو الوجه الآخر للتنمية المستدامة.
وحين أقبل رمضان، لم يكن السوق الرمضاني فعاليةً موسمية عابرة، بل نافذةً أطلّت منها فرسان على زوارها بوجهها الحقيقي. ازدانت الأركان بالحرف التقليدية، وتعطرت الأزقة بالبخور، وتزينت الموائد بالمأكولات الشعبية، ووجدت الأسر المنتجة ورواد الأعمال مساحةً يروون فيها قصة المكان بمنتجاتهم. وتعانقت البرامج الثقافية مع العروض الفنية والمسابقات، ليصبح السوق احتفالًا بالهوية قبل أن يكون سوقًا للبيع والشراء، ورسالةً تؤكد أن التنمية الثقافية لا تقل شأنًا عن التنمية العمرانية.

وكان الأحمري يرى أن جزر فرسان ليست مجرد أرخبيلٍ يطفو على صفحة البحر، بل كنزٌ وطني يستحق أن يُكتشف كل يوم. لذلك كثف زياراته الميدانية للقرى التابعة للمحافظة، ووقف على احتياجاتها، وعمل على تهيئة البنية البلدية فيها، إيمانًا بأن التنمية الحقيقية لا تعرف مركزًا وأطرافًا، وإنما تصل إلى الجميع بالعدالة ذاتها، والاهتمام ذاته، والطموح ذاته.
واليوم، وهو يغادر فرسان إلى الداير، لا يغادرها خالي الوفاض؛ يترك فيها ذاكرةً عمرانية، وبصمةً إدارية، وشواهد تنطق بأن الإنجاز لا يحتاج إلى كثير من القول، لأنه يتحدث عن نفسه في الشوارع، والميادين، والمرافق، والواجهات، وفي رضا الناس الذي يبقى الشاهد الأصدق على نجاح المسؤول.

أما محافظة الداير، فهي تستقبل قائدًا يحمل معه تجربةً نضجت في الميدان، وخبرةً صقلتها المسؤولية، وإيمانًا بأن العمل البلدي ليس إدارة مشاريع فحسب، بل بناء ثقة، وصناعة بيئة، وإحياء مكان، وخدمة إنسان.

وهكذا تمضي الأوطان في صناعة مستقبلها؛ تنقل الكفاءات من موقعٍ إلى آخر، لا لأن الأماكن تتشابه، بل لأن المبادئ التي تصنع النجاح واحدة. ويبقى الرجال الذين يعملون بصمت أشبه بالأنهار؛ لا ترفع صوتها، لكنها تمنح الأرض خضرتها، وتترك خلفها حياةً تتجدد كلما مرّ بها الزمن.

فالكفاءة لا تعرف حدود الجغرافيا، والإنجاز لا يتوقف عند نهاية التكليف، وإنما يمضي مع صاحبه حيث يمضي، ليؤكد أن أعظم ما يتركه الإنسان في وطنه ليس ما كتبه اسمه على الحجر، بل ما كتبه عمله في قلوب الناس، وفي ذاكرة المكان، وفي سجل الدولة التي لا تنسى رجالها المخلصين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com