مقالات

آثار الصحون

محمد الرياني

ما زال هناك أثرٌ للصحون على جدارنا الطيني القديم، وما زال ممرُّ الهواء ينساب ليضيف للصحون نكهةً من رقراقه، وما زالت الألوان تسكن المكان وإن نأى الزمان.

مرَّ هواؤنا الجنوبي من هنا؛ أي من حيث اعتلت صحون النشا والتطلي على الجدار الذي صنعته أمي كي يحضر الظل في الصباح، ونحضر معه كأسراب العصافير البريئة، فنشقشق كبارًا وصغارًا حتى يتغلب النهار على بقايا الصباح.

جاء رمضان بنوره ليكون لجدارنا حديثٌ وهو بلا لسان، وعينان وهو بلا عينين، ينتصب واقفًا على الرغم من بساطته ليحمل صحونًا صغيرة تعزف مع المغيب ترانيم الحب واجتماع الشمل.

أذَّن للمغرب ليلةً ونحن جلوس ننتظر المغيب، فنزلت الصحون على بساطٍ صغير يشبه ملامحنا البريئة، وكان الهدوء هو سيد الموقف، ولا شيء يعلو على صوت الأذان في القرية الصغيرة، ولا حديث حول المائدة يتجاوز الروحانية.

مددنا أيدينا بهدوء، ورائحة جدارنا الطيني تتضوع من جمال الوقت وتسلُّل النسائم اللطيفة عليه وعلينا وعلى الصحون التي استقبلته على الجدار وعلى الأرض.

قلت لإخوتي: ما ألذ طعم النشا! قال أخي: ما ألذ طعم اللون الأصفر، يعني التطلي!

تسابقنا بالملاعق الأصيلة، والبقية معنا.

بقي أثرٌ يسكن في عيني، لم يحدث هذا اليوم؛ كان لنا جدار ووالدان وصحون تتبرد على الجدار لتمنح الحياة حياة.

فتحت عيني وقد أغمضتها على الأثر، فلم أجد غير الأنقاض التي كادت أن تحرق عيني من الدموع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com