ثقافة وفن

صورة الأب في السرد: بين الرمز المثالي والإنسان الواقعي

الاتجاه – مريم الحسن:

في السرد الأدبي تتعدد زوايا النظر إلى صورة الأب والقدوة والإنسان، فتتباين المعالجات بين الرمز والواقع، وبين المثال والهشاشة البشرية.

هذا الاستطلاع يجمع أصواتًا نقدية وإبداعية لعدد من الكتّاب، يقدّمون قراءاتهم لصورة الأب وتمثلات الشخصية الإنسانية في السرد، كلٌّ من زاويته ورؤيته الخاصة.

كفى عسيري

الأب حضر في عدد من الأعمال السردية العالمية والعربية والمحلية بصورة مغايرة للصورة الكلاسيكية المألوفة.

دعني أستشهد بصورة الأب في رواية الكتب التي التهمت والدي للبرتغالي المبدع أفونسو كروش؛ إذ صوّرته موظفًا حكوميًا يرزح تحت ملل الحياة الرتيبة، فيلجأ إلى القراءة، لكن انغماسه العميق وخوفه من بعض ما يقرأ يقودانه إلى اختفاء غامض، فيغدو ماضيًا ووهمًا لا يعيش إلا في ذاكرة ابنه.

براعة كروش تجلت في رسم أبٍ مختلف بغموضه ونهاية لا تشبه النهايات المعتادة من مرض أو موت، نهاية خارقة ومؤثرة دفعت الابن لاقتفاء أثره والبحث عنه بين الكتب، محاولًا اكتشاف سرّه واختلافه ودوافع شغفه بالقراءة. هكذا يبدأ الأب إنسانًا عاديًا يعمل ويتأقلم ويحزن ويفرح، ثم يتحول بعد اختفائه إلى رمز وهاجس يشغل وعي الابن.

كما قدّمت عائشة آل حشر صورة شجاعة للأب في روايتها التشظي، إذ مهّدت لذلك منذ الإهداء مستحضرة والدها الذي استشهد برصاصة فسقط جسده بين الكعبة والمقام إبراهيم، وبقيت نجوم رتبته العسكرية تلمع على كتفيه. ثم جسّدت بطَل عملها على صورة الأب ذاته.

هذا الاختلاف جعل الأب رمزًا للفضائل، في مقدمتها الشجاعة والفداء، ولم تتركه ذكرى باهتة كما يحدث غالبًا، بل أبقته الضابط البطل الحاضر في الذاكرة القرائية الجمعية، كلما استُحضرت البطولات وتاريخ المكان.

صفاء الأحمد

تُشيَّد شخصيات الأب والشيخ والقدوة في السرد العربي غالبًا بوصفها رموزًا مكتملة، قبل أن تُصاغ بوصفها كائنات بشرية. يميل السرد تحت وطأة التمثلات الأخلاقية السائدة إلى ترسيخ صورة مثالية لهذه الشخصيات. لكن التجربة الإنسانية في حقيقتها، أكثر تعقيدًا من هذه الصيغة المطمئنة.

يُقدَّم الأب في صورته النمطية بوصفه المربي المضحي، وركيزة الاستقرار داخل العائلة.
تبدو هذه الصورة في كثير من النصوص أقرب إلى خطاب وعظي منها إلى تمثيل إنساني صادق؛ ذلك أن الأب في الواقع النفسي والاجتماعي ليس بالضرورة ذلك الكيان المتماسك أخلاقيًا على الدوام!
إلا أن السرد كثيرًا ما يُحجم عن كشف هذه التصدعات خشية المساس بالبنية الرمزية للأبوة في المخيال الجمعي.
حين ينقل السردُ الشخصيةَ من مقام الوظيفة الأخلاقية الجامدة إلى فضاء الإنسان المتقلب، يتحول الأب من أيقونة ساكنة إلى كيان سردي نابض. أما الشيخ فغالبًا ما يتجلى بوصفه الإنسان الذي يمتلك مفاتيح الخلاص والمعرفة، تنحدر هذه الصورة من مخيال ثقافي يجعل من الشيخ وسيطًا بين الإنسان والحقيقة.
يعرّي الواقع هشاشة هذه الهالة؛ حيث تكشف بعض السرديات كيف يمكن للقداسة أن تتحول إلى سلطة رمزية، وكيف يُستثمر خطاب الطهر ستارًا لنوازع بشرية عادية وربما مظلمة. أما القدوة فهي أكثر الشخصيات عرضة للتشييء الرمزي، حيث تُقدَّم في السرد التقليدي ككائن شبه ملائكي.
يُضعف هذا الاكتمال الظاهري القيمة الفنية للشخصية، لأن الجمال السردي غالبًا ما يتولد من التوتر بين المثال والواقع. وحين يكشف النص هشاشة القدوة أو ازدواجها، فإنه لا يهدم القيم بقدر ما يعيدها إلى إنسانيتها، ويجعلها أكثر قربًا وصدقًا.
السرد الذي يعيد هذه الشخصيات إلى شرطها البشري يوسّع فهم العلاقات الاجتماعية كما هي، فتتحول من رموز مغلقة إلى كائنات حيّة تعكس صراع الإنسان بين المثال والواقع، وبين السلطة والهشاشة.

هدى الذماري

في جوهرة الشهور كل شيء مختلف أنواره بصماته وآماله، وبعد رحيل رمضان كعادته متعجلا تفيض الذكريات ويظهر ذلك الضوء الذي ينير في داخلي طريقا معبدًا لاعوج فيه ويشعل تلك القناديل المتلألئة التي تتمازج فيها ألوان الفرح والشوق
كنت طفلة لم أتجاوز العاشرة لا أعرف ماذا يعني رمضان إلا حين يفرح كل من حولي ويتبادلون التهاني والتبريكات وتلك. الأدعية المأثورة التي رسمت في جدار عقلي الصغير ونقشت في حنايا قلبي
كنت أرى والدي رحمه الله يتحين الفرص ليعلمنا دروسًا في روحانية هذا الشهر وآداب الصلاة والقيام وقراءة القرآن
دروسا كانت مغمورة بالحب محفورة في القلب محفوفة بالعناية والاهتمام، لحظات وأوقات لا تمحى وكأنها حديث الأمس، كل شيء ماثل أمامي صورة أبي وأمي وأخواني وأخواتي صورتي وأنا طفلة حتى جدران بيتنا وتفاصيله ، لازلت أتذكر ألوان سريري الصغير وأمنياتي الكبيرة
لازلت أتذكر تلك النافذة المطلة على سور المدرسة الابتدائية التي كنت أدرس فيها وتلك النخلة المعمرة التي تلتصق بحائط المنزل
كبرنا سريعا وعندما فقدت والدي لم أفقد كلماته التي جمعت بين العلم والأيمان وأبجدياته المتنوعة في فهم الحياة وأن العطاء هو لغة الفرح الحقيقية، وأن الرضا مدار السعادة ،والقناعة زاد الأثرياء والفقراء معا، والأخلاق الفاضلة والاستقامة هي نتاج الممر الطويل الذي غرسه فينا والدي رحمه الله وغفر له

د. منى الغامدي

اعتدنا في قراءتنا لأكثر السرديات سواء السعودية أو العربية عموما على صورتين نمطيتين للأب؛ الأولى تعكس تسلطه وقوته المستمدة من المجتمع نفسه، كونه المعيل للأسرة وصاحب الكلمة الأولى في البيت، وغالبا ما ارتبطت تلك الصورة بالعنف الأسري ومصادرة الحرية. أما الصورة الثانية فيتمثل فيها الأب في أضعف حالته عاجزا عن تحمل المسؤولية أو غائبا عن البيت. وباختصار فقد صورت الرواية السعودية الأب بوصفه رمزا للعادات الاجتماعية والتقاليد والثقافة الراسخة، بدلا من تصوير ما يعتلج في داخله من صراع ومعاناة إزاء العبء الإنساني المنوط به أو الحمل الثقافي والدور الاجتماعي المتوقع منه.

فالزاوية المفتقدة في أكثر المعالجات السردية لصورة الأب هي تلك الصورة التي يقف فيها على طرفي نقيض، مثقلا بدوره الاجتماعي وكاشفا في الوقت نفسه عن ضعفه الإنساني؛ قادرا وعاجزا معا. فبدلا من أن يكون الأب مجرد رمز للقيم وصورة مطابقة لتوقعات المجتمع، يغدو إنسانا يحمل صراعا داخليا بين صورته العامة وضعفه الخاص. وهذه، في رأيي، زاوية خصبة جدا لكتاب القصة والرواية السعودية.

هيثم بن محمد البرغش

تمثل الشخصية انعكاس الذات أو كشف لما يصل إليه الإنسان في المآل والمأمول ولو كان مختلفًا عن شخصية من يراه قدوة أو يجعل له قيمته الرفعية عنده لأي سببٍ سواء كان قريبًا أو موجهًا ومعلمًا أو كبير سن ؛ لأننا ننظر إلى تجارب ولغة حاضرة أمامنا ويستقي منها الجديد لبنات بنائه وامتداده فلا يكون الحضور دون سابق ولا يكون الوجود دون ولادة عن وجود .

المنظور للعالم يتغير أيضًا عندما يُرى بعيون أخرى أكان في عيون شيخ وقور أو طفل صغير أو شاب وشابة متطلعان للحياة هذا الاتصال بين المختلفين يصنع فرقًا ويبني حضورًا مؤثرًا في الشخصية لأنه يجاوز النمطية والحدود العادية ويقفز لما يكون تواصلاً بين الإنسان والآخر وجعل هذا التواصل منبئًا عن كائن و ولادة جديدة .

ميثم الخزرجي

لا شك أن أي فعل ثقافي على المستويين المعرفي والجمالي يمثل إضاءة وجودية تكشف حقيقة المبدع، وأن النزوع إلى الكتابة بمختلف أجناسها تعبير عن لحظة صادقة في أعماق النفس. لكن عند التأمل في مآل النص الأدبي وعمره، نجد أن الأعمال الخالدة هي التي اشتبكت مع الأسئلة الإشكالية للإنسان، وقدّمت رؤى إنسانية وبنية معرفية فاعلة. لذا فإن من أهم ركائز بقاء النص توظيف المعرفة وربطها بالإنسان بما يحرك الوعي، ويكشف الأنساق المعرفية والمخبوء الثقافي الكامن في مواجهة الأسئلة الكبرى.

أما في عصر ما بعد الحداثة، حيث العوالم المعلوماتية والتقنيات الذكية، فقد نشأ تأثير ذهني وأنطولوجي واضح طال القيم والاعتبارات الأخلاقية. ومن هنا تبرز أهمية تقديم صورة الإنسان داخل السرد والبحث عن هويته وسط صخب الواقع. وهذا ما أسعى إليه في تجربتي السردية؛ إذ تنطلق رؤيتي من سؤال جدلي يتعامل مع الإشكالي والإنساني، إيمانًا بالنص المنبثق من حصيلة معرفية، مع الحفاظ على أدواته الفنية من حيث التكنيك والتصاعد الدرامي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com