صورة عائلية ناقصة

هيفاء علي نورالدين
في مساء هادئ، كنت أرتب خزانة قديمة في غرفة أمي.
الخزانة نفسها التي بقيت سنوات طويلة كما هي؛ مفاتيحها الثقيلة، ورفوفها التي تحمل رائحة خشب قديم ممزوجة بعطر خفيف يشبه عطر أمي.
بين دفاتر قديمة ورسائل مطوية بعناية، سقطت صورة على الأرض.
انحنيتُ لألتقطها.
كانت صورة عائلية… قديمة جداً.
وقفنا فيها أمام بيتنا الأول، ذلك البيت الصغير الذي كان يبدو لنا واسعاً كالعالم.
الجدار خلفنا بلونه الأبيض المتعب، والشجرة الصغيرة في الزاوية التي زرعها أبي يوم انتقلنا إلى هناك.
في الصورة، يقف أبي في الوسط تماماً.
كان دائماً يقف في الوسط، ليس لأن أحداً طلب منه ذلك، بل لأننا كنا نلتف حوله بشكل طبيعي، كما تلتف الأشياء حول مركزها.
يرتدي قميصه الرمادي الذي كان يفضله في أيام العطل.
يضع يده على كتف أخي الأكبر، وفي عينيه تلك النظرة الواثقة التي كانت تجعلنا نشعر أن كل شيء في الحياة تحت السيطرة.
أمي تقف إلى جانبه.
تبتسم ابتسامة صغيرة، ليست ابتسامة عريضة كما في الصور الحديثة، بل ابتسامة هادئة… ابتسامة امرأة تعرف أن بيتها مليء بالضجيج لكنها راضية عنه.
أتذكر ذلك اليوم جيداً.
كان يوم جمعة.
بعد الغداء، قال أبي فجأة:
“تعالوا نلتقط صورة… سنضحك عليها بعد سنوات.”
ركضنا جميعاً إلى الخارج.
كنا صغاراً، ولم نكن نحب الوقوف ساكنين أمام الكاميرا.
المصور، وهو صديق قديم لأبي، ظل يقول لنا:
“اثبتوا قليلاً… لا تتحركوا!”
لكن أخي الصغير كان يضحك، وأنا كنت أحاول أن أبدو جادة بلا سبب، بينما أمي تهمس:
“اهدؤوا… الصورة ستبقى.”
التقطت الصورة أخيراً.
لحظة واحدة فقط، تجمّد فيها الزمن.
وجوهنا كلها موجودة… والبيت خلفنا… والشجرة الصغيرة… وحتى ظل الشمس على الأرض.
أمسكتُ الصورة الآن بيدي، بعد كل هذه السنوات.
الشيء الغريب أن كل التفاصيل بقيت كما هي:
ملامحنا الصغيرة، ملابسنا البسيطة، حتى زاوية وقوف أبي.
لكن شيئاً واحداً تغيّر.
أبي لم يعد هنا.
منذ سنوات طويلة، غاب بهدوء كما يغيب المساء عن البيت.
لم يعد يقف في وسط الصورة الحقيقية التي نعيشها الآن.
أمي ما زالت تحتفظ بالصورة في إطار صغير فوق الطاولة.
أراها أحياناً تمسح عنها الغبار بقطعة قماش ناعمة، ببطء شديد… كما لو أنها تخاف أن تؤذي الذكرى.
عندما نجتمع الآن في الأعياد أو المناسبات، نحاول أن نلتقط صوراً جديدة.
نقف بالطريقة نفسها تقريباً.
نبتسم أيضاً.
لكننا نعرف في داخلنا أن شيئاً ما مفقود.
هناك مكان في الصورة لا يملؤه أحد، حتى لو وقفنا قريبين من بعضنا أكثر.
بعض الصور لا تنقصها الوجوه…
بل ينقصها الشخص الذي كان يجعل العائلة تبدو كاملة.



