ثقافة وفن

ملامح إنسانية بين الخوف والأمل في سرد الجائحة   

منازلات الإمبراطور الأعمى) لمحمد بن ربيع

قراءة هاني الحجي

تعدّ مجموعة “منازلات الإمبراطور الأعمى” للقاص محمد بن ربيع الغامدي، الصادرة عن دار بن ربيع، عملًا سرديًا يندرج ضمن أدب الجوائح والكوارث حيث تقدّم في اثنتي عشرة قصة سردية توثيقية لجائحة كورونا، بوصفها حدثًا إنسانيًا عالميًا ترك أثرًا عميقًا في الوعي الفردي والجمعي. لا يسعى هذا النوع من الأدب إلى تقديم حلول مباشرة بقدر ما ينشغل باستكشاف المشاعر الإنسانية والعلاقات الاجتماعية تحت ضغط الأزمات، وهو ما يتجلى بوضوح في هذه المجموعة.

تنبع أهمية المجموعة من كونها توثيقًا إنسانيًا وأرشيفًا سرديًا لتجربة الجائحة، إذ تمزج بين الواقعية والخيال بل وتمتد أحيانًا إلى أبعاد سريالية لتصوير مفارقات إنسانية لافتة كما في قصة «أمثولة الرياح والسفن». كما تبدو المجموعة متنفسًا نفسيًا للكاتب يخفف من خلاله وطأة الألم والفقد الذي عمّ المدن والأحياء خلال تلك المرحلة.

تعكس القصص سلوكيات الإنسان في المجتمعات المختلفة كاشفةً عن التوتر بين الخير والشر في النفس البشرية، وعن نزعات الأنانية التي قد تطغى على القيم الجماعية. وتقدّم صورًا متناقضة للإنسان الذي قد يتحول من قسوة مفرطة إلى هشاشة عاطفية أمام المرض في مشهد يذكّر بتقلبات الطبيعة البشرية كما صوّرها كبار الأدباء.

على المستوى الرمزي لا تقف المجموعة عند حدود الحكاية الظاهرة بل تنفتح على دلالات أعمق؛ فـ”لإمبراطور الأعمى” يمكن قراءته بوصفه رمزًا للطغيان أو للعمى المعنوي الذي يعيشه الفرد أو المجتمع. وهكذا تتجاوز النصوص سياق الجائحة لتلامس قضايا إنسانية أوسع.

ترصد المجموعة تفاصيل الحياة اليومية في زمن العزلة، حيث يخفت صخب العالم الخارجي ويعلو صوت القلق الداخلي، فيتحول الحجر إلى مساحة للتأمل الذاتي ومراجعة مسار الحياة. وتتجلى ثنائية الخوف والأمل في كثير من المواقف الإنسانية التي يعرضها الكاتب حيث يواجه الأفراد هاجس الموت في مقابل[ التطلع إلى النجاة والعلاج.

*البعد النفسي*

تعكس بعض القصص حالات القلق الوجودي والخوف من المجهول خاصة في ظل العزلة القسرية ما يجعل بعض النصوص أقرب إلى المونولوج الداخلي، كما في “الجرادة العملاقة” و”عازف الصرناي”، وتطرح هذه النصوص أسئلة جوهرية حول الموت والحياة وتستدعي ذاكرة الفقد بوصفها جزءًا من التجربة الإنسانية.

*البعد الاجتماعي*

تكشف القصص عن التفاوت في مواجهة الجائحة تبعًا للطبقات الاجتماعية والمستويات الثقافية والعمرية، كما تُظهر كيف أعادت الأزمة تشكيل العلاقات بين الأفراد، إما نحو مزيد من التفكك أو نحو التقارب وإعادة الترميم كما في قصة “كورونا على قطعة الشطرنج”.

*المستوى الفلسفي*

تثير المجموعة تساؤلات عميقة حول معنى الوجود في ظل الكوارث: هل تمثل الأوبئة عقابًا أم فرصة للتأمل؟ وهل الإنسان كائن فردي أم اجتماعي بطبعه؟ وهي أسئلة تمنح النصوص بعدًا يتجاوز الظرف الزمني للجائحة.

*التقنيات السردية*

يتداخل في المجموعة الماضي مع الحاضر، وتتعدد الأصوات السردية، ويُستخدم ضمير المتكلم لتعميق الإحساس بالعزلة. كما تتراوح النهايات بين المفتوحة والمباشرة في انعكاس لحالة اللايقين التي سادت تلك الفترة.

أما اللغة فتتسم بالوضوح والمباشرة، مع توظيف مفردات الجائحة الصحية والاقتصادية، مما يخلق مزيجًا بين الواقعية والتأمل، ويعزز من قدرة النص على نقل التجربة الإنسانية بصدق.

في المجمل، تعيد مجموعة «منازلات الإمبراطور الأعمى» مساءلة الإنسان في لحظة انكشافه أمام الجائحة، حيث تتقاطع الأبعاد النفسية والاجتماعية والفلسفية، لتقدم رؤية سردية تكشف هشاشة الإنسان من جهة، وصلابته من جهة أخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com