أبعاد الجوع في رواية كنوت هامسون

قراءة: ريما آل كلزلي
رواية ” الجوع” هي عمل أدبي بالغ الثراء، يفتح أمام القارئ آفاقاً متعددة للتأمل والتحليل. بحيث يصعب اختيار أيّ الأبواب تُطرق أولاً لتحليل هذا النص المدهش، فهو نص متعدد الأبعاد، يطرح قضايا إنسانية عميقة، مثل، الفقر، صراع الكرامة مع قسوة الجوع، وأزمة الروح في ظلّ غياب الإيمان. يتسم النص بقدرته على إثارة تساؤلات جوهرية تتعلق بالإنسانية عندما تواجه تحديات الحرمان وشظف العيش، مع تقديمه مساحة واسعة للقراءات النقدية المتنوعة.
تدعو الرواية المهتمين إلى تبني مقاربات نقدية متعددة. يمكن معالجتها من خلال منظور النقد الثقافي للكشف عن دور غياب المبادئ الإنسانية القائمة على التراحم والقيم الدينية في تأجيج معاناة الفرد والمجتمع؟ أو ربما يستلزم الأمر قراءة متوازنة تقارن بين واقعنا العصري الذي تزدهر فيه مؤسسات الحقوق والرعاية الاجتماعية، وبين مشقة الحياة في تلك الأزمنة القاسية؟
تميز الكاتب هامسون بتناول مفهوم الجوع من خلال رؤية ثلاثية الأبعاد، فلم يقتصر على الجوع الجسدي فقط، بل تجاوز ذلك إلى الجوع النفسي والروحي. وقد عكست الرواية مشاعر الإنسان بالضياع والفراغ في غياب الإيمان، الذي قد يملك قدرة على تخفيف معاناة الإنسان وأعبائه الوجودية.
وبذلك تصبح الرواية شهادة مستمرة على معاناة الإنسان وصراعه الوجودي أمام الجوع. يقول الكاتب في الصفحة 13:” لم أذق طعاماً منذ أمس، ولا أملك فلساً واحداً، وفوق كل هذا فإني لا أجد عملاً.” يظهر هذا الاقتباس بطريقة مباشرة هشاشة الإنسان وضعفه أمام الضرورات المادية، فيجعله أسيراً لحاجاته الأساسية، فيجرده من كل زخارف الحياة ويعيده جوهره الأساسي، واضعاً إياه أمام سؤال كبير: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على كرامته عندما تسلبه الحياة كلّ شيء؟
ببراعة فائقة صوّر الكاتب همسون الجوع برؤية رمزية متعددة الأبعاد، فعالجه بمهارة فنية بديعة، سهمت في الكشف عن تداخل الجوانب المختلفة لمعاناة الشخصية. ولعل هذا الطرح جاء على ثلاث مستويات رئيسية:
- الجوع الجسدي: الذي تمثل في الحاجة إلى الطعام، حيث أصبحت الحاجة إليه هاجساً يسيطر على الجسد ويسحق الروح.
- الجوع النفسي: الذي ظهر في صراع الشخصية مع الكرامة، بحثاً عن الاعتراف به في عالم لا يمنح الرحمة، ولا يلتفت للطبقات المطحونة.
- الجوع الروحي: وهو الأعمق، إذ يعكس افتقار البطل إلى الطمأنينة والإيمان الراسخ الذي يخفف أعباء الحياة.
هذه المستويات الثلاثة جسّدها الكاتب بمهارة تبين شدة معاناة البطل، وكأن الجوع أحاط به من كل جانب، فأصبح عدوه الأوحد. وبينما تشدد الرواية على الضغوط الهائلة التي يعانيها، لا يغيب عن القارئ لمس أثر السخط والتوتر الذي تسرب إلى قلب البطل، حتى انعكس ذلك على رؤيته للإله فأخذ يشكك في العدالة الإلهية، وقال في الصفحة 25: ” أليس الله رب السماوات والأرض يرزقني كما يرزق الطير؟ “ومازال يصر على ظلم القدر له، ويضيف في الصفحة 26:” لقد نهضت لي البراهين الدامغة على ظلم القدر لي، بجَعلي أكفّر عن خطايا الناس جميعاً”. هنا يتجلى بشكل صريح كيف أن الألم دفعه إلى الشكوى من خالقه، وكأن شعوره بالظلم الوجودي جعله يعترض على عدالة المصير…
يبقى التساؤل: لو كانت الشخصية تتمتع بإيمان قوي يعزّز صمودها ويعالج شقاءَها، كما في الإسلام مثلاً، الذي يقدم رؤية واضحة عن الابتلاء، ويشرح فلسفة الحياة والمصير، هل كانت شخصية البطل ستجد شفاءً لروحها أو طريقة لمواجهة هذا الانهيار النفسي؟
البناء النفسي والاجتماعي للشخصية:
من اللافت أن الكاتب تعمّد إهمال اسم البطل، وكأن الجوع قد طمس فرديته وهويته، ليحوّل الشخصية إلى رمز عالمي للإنسان المعذب والمقهور. رغم أن الكاتب قدّم تفاصيل واضحة للزمان والمكان. هذا يجعل الرواية تتخذ طابعاً محلياً تخص المكان، ولكنها تتجاوز حدود المحلية، لتصبح شاهداً عالمياً على صراع الإنسان مع الجوع.
ثمّ إنه من المستحيل الحديث عن رواية “الجوع” دون الإشارة إلى التأثير الواضح الذي تركه دوستويفسكي على أسلوب كنوت هامسون وأفكاره. إذ يظهر هذا التأثير بوضوح في معالجة قضايا الفقر، المعاناة الفردية، والصراع النفسي الداخلي.
لم يتوطن الجوع في غياب الطعام إنما في فقدان الحرية وقيمة الإنسان. وهو ما يمكن ملاحظته في نقاط عديدة:
- صراع الكرامة والمادة
كما صوّر دوستويفسكي شخصية “راسكولنكوف” في رواية “الجريمة والعقاب” وكان يمزقه الصراع النفسي بين الخير والشر تحت وطأة الفقر، نجد بطل “الجوع” يمر بتجربة مشابهة، وإن اتخذت شكلاً مختلفاً قليلاً، إذ يصارع للحفاظ على بقايا كرامته في مواجهة آلام الجوع الساحق. في الصفحة 43 يقول البطل:
“استهوتني نفسي لأرتكب جريمة السرقة…”
لكن البطل يتراجع عن ذلك، مما يعكس تضخماً أخلاقياً متناقضاً مع قسوة الجوع. فيترك هامسون بطله يصارع حتى النهاية للحفاظ على كرامته، وهذا ما يتقاطع مع طريقة دوستويفسكي في كشف الظروف القاسية على المبادئ الأخلاقية للفرد.
- المعاناة الداخلية والشك الوجودي
تتجلى ملامح معاناة البطل في رحلة البحث عن قيمة وجوده رغم افتقاره إلى الاحتياجات الأساسية. فقد عُرف الكاتب الروسي دوستويفسكي بقدرته الفذة على الغوص في أعماق النفس البشرية، ويظهر هذا الأسلوب جلّياً في رواية الجوع عبر وصف التحولات النفسية للبطل، على الأخص تردده بين الحفاظ على الكبرياء والخضوع للجوع، كما في مشهد احتفاظه بالخمسة ريالات التي أعادها له صبي البقالة عن طريق الخطأ، أو في صمته أمام إهانات صاحبة الخان حتى لا يُطرد، ليحافظ على ما توفر له من شريحة خبز مطلية بالزبدة.
- العزلة والاغتراب
في رواية ” الأبله” لدوستويفسكي، يظهر بوضوح الشعور بالاغتراب الاجتماعي الذي يعانيه أبطال الرواية، وخاصة شخصية ” الأمير ميشيكن”، وينعكس هذا الاغتراب أيضاً في شخصية بطل رواية ” الجوع” الذي يعيش في عزلة روحية عن محيطه في مدينة صاخبة، تبدو وكأنها مكان عدائي لا يكترث بحاجات الإنسان الأساسية، فتجسد المدينة بهذا رمزاً لفشل المجتمع في احتضان الفرد وحمايته، مما يضفي على الصراع الداخلي للبطل صراع وجودي.
- ثنائية الخير والشر
الثنائية التي يسلط فيها دوستويفسكي الضوء على الصراع بين الخير والشر وتطرح أسئلة عن مصير الروح البشرية. هل الإنسان بطبيعته خيّر أم شرير؟ بينما هامسون يميل إلى تصوير الشخصية كمحصلة للظروف أكثر من كونه خياراً إرادياً، فقد استسلم البطل للهروب عبر السفر بعد أن رأى المحبوبة ” يلا يالي ” التي توددت إليه ذات يوم وهي تشتكي الفقر، فلما عرفت بفقره نبذته. ورآها تتأبط ذراع الدوق وتمشي في الميدان، فأعلن بهذا ضياع كل آماله في حياة أفضل. على الأقل في تلك المدينة التي ذكرها في مفتتح الرواية حين قال:” حدث في تلك الأيام التي كنت فيها مشرداً أتضوّر جوعاً في مدينة كريستيانا، تلك المدينة العجيبة التي لا يغادرها أحد قبل أن تسمه بسماتها، وتترك عليه آثارها.”
- تيار الوعي كأسلوب فني
اعتمد هامسون على أسلوب تيار الوعي بشكل بارع، فقد جعل القارئ يعيش في دوامة ذهن البطل، ويتقاسم معه لحظات الحيرة، والضياع. وفي كل مرة كان يعيد تعريف الجوع حسب المواقف التي يتعرض لها، وقد عرف الجوع بغياب الضمير في حواره مع القس في الصفحة 102 عندما قال البطل له: ” دع هذا السخف، فأنت أفقر من أن يكون لك ضمير. أنت جائع، هذا هو أنت”.
وأخيراً، يتقاطع كلا الكاتبين في جعل شخوص رواياتهم رموزاً إنسانية شاملة تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، وتصبح أنموذجا للشخصيات الإنسانية على مرّ الأزمان، وكأنها تنتمي إلى الإنسانية جمعاء. فالجوع لدى هامسون، كما الفقر والمعاناة لدى دوستويفسكي، يمثلان حالات إنسانية خالصة.
ختاماً، يمكننا القول إن رواية “الجوع” سردية فلسفية أو معالجة اجتماعية للفقر، وعمل إنساني عظيم جمع بين العمق الفكري، التحليل النفسي، والجمال الأدبي، إنها رواية خالدة تقف شاهداً على أن الجوع أكثر من مجرد ألم… إنه وجه من وجوه الإنسانية المتعددة.



