مقالات

ستر الانكسار… رحمة خفية

أميمة عبدالعزيز زاهد

من أعظم نعم الله على عباده أن يسترهم في لحظات ضعفهم، ويمنحهم من القوة ما يعينهم على مواصلة الطريق رغم ما يعتصر قلوبهم من ألم.

فقد ترى إنسانًا متماسكًا، ثابت الخطى، يواجه البلاء برباطة جأش، بينما قلبه في الخفاء منكسر بين يدي الله، يناجيه بدموع صامتة لا يراها أحد. وذلك لون من ألوان الرحمة الإلهية التي يمكن أن نسميها: ستر الانكسار.

فالستر لا يقتصر على الذنوب والمعاصي فحسب، بل قد يكون سترًا للأوجاع والهموم والجراح التي تثقل القلوب.

فكم من إنسان يبتسم للناس وهو يحمل في داخله ما لو وُزع على الجبال لأثقلها، وكم من شخص يواسي غيره وهو في أمسّ الحاجة إلى من يواسيه. لكن الله بلطفه يستر ضعفه عن الخلق، ويجعل شكواه إليه وحده.

ومن أرقى صور هذا الستر ما نراه في قلب الأم؛ فكم من أم سهرت الليالي خوفًا على أبنائها، وأرهقتها الهواجس والدعوات، وبكت بين يدي ربها بحرقة لا يعلمها إلا هو. لكنها حين تستقبل أبناءها تخفي دموعها، وتمنحهم الطمأنينة والأمان، وكأن قلبها لا يعرف القلق. فيستر الله انكسارها عنهم، ويجعل ضعفها قوة، ودموعها رحمة تحيط بمن تحب.

وكذلك الأب الذي يحمل هموم أسرته، أو المريض الذي يبتسم رغم ألمه، أو الأرملة التي تخفي حزنها لتواصل الحياة، أو المطلقة التي تحاول أن تبدأ من جديد دون أن تثقل كاهل الآخرين بما مرت به من وجع. هؤلاء وغيرهم يعيشون تحت مظلة هذا الستر الرحيم الذي يحفظ لهم كرامتهم، ويمنحهم القدرة على الاستمرار.

وقد يكون البلاء فقدان عمل، أو ضائقة مالية، أو خسارة عزيز، أو انتظار فرج طال أمده. ومع ذلك ترى صاحبه ثابتًا أمام الناس، بينما ينكسر قلبه بين يدي الله قائلاً: يا رب، أنت حسبي ووكيلي. وفي تلك اللحظات يكون الانكسار عبادة، ويكون اللجوء إلى الله قوة لا ضعفًا، وعزًا لا هوانًا.

إن ستر الانكسار رحمة خفية لا يعرف قدرها إلا من ذاقها. فطوبى لمن جعله الله عزيزًا في أعين الخلق، خاشعًا منكسرًا في حضرته، يعلم أن شكواه الحقيقية لا ترفع إلا إليه، وأن جبر الخواطر كلها بيده سبحانه.

فليس كل ستر يكون على ذنب، فبعض الستر يكون على ألم، وبعض الرحمة تأتي في هيئة قوة يراها الناس، بينما حقيقتها دعاء خفي ودمعه صادقة بين العبد وخالقه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com