فنّ التقاط الفكرة

بقلم: صفاء الأحمد
لم أكتب مقالًا منذ شهر تقريبًا، وحين طلب مني محرر صحيفة الاتجاه مقالًا جديدًا، اعتذرت إليه بحجة أن الأفكار شحيحة هذه الأيام.
فقال: “اكتبي عن الكتابة وقت الأفكار الشحيحة.”
ابتسمت.
في الحقيقة لم تكن الأفكار شحيحة كما ظننت؛ بدليل أن فكرتين مختلفتين تمامًا قفزتا إلى رأسي في اللحظة نفسها.
عندها تساءلت: هل الأفكار نادرة حقًا، أم أننا نعجز أحيانًا عن رؤيتها؟
أؤمن بأن الأفكار ملقاة على جانبي الطريق، قد نعثر عليها في حديث عابر، أو مشهد يمر خلف زجاج سيارة، أو جملة يقولها طفل دون أن يدرك أنه ألقى في طريقنا بذرة تأمل كاملة، أو حتى في رسالة قصيرة من محرر صحيفة يطالب بمقال جديد!
لا تهبط الفكرة دائمًا من السماء متوجة بالإلهام، ولا تأتي محاطة بهالة من السحر كما نحب أن نتخيل.
إنها تمر بجوارنا كل يوم، خفيفة وعادية إلى درجة أننا لا ننتبه لوجودها.
لكن الكاتب وحده هو من يتوقف وينحني، ويلتقط ما يراه الآخرون شيئًا لا يستحق الالتفات.
غير أن التقاط الفكرة ليس سوى بداية الرحلة.
فالفكرة الواحدة لا تعيش الحياة نفسها في رؤوس جميع الناس.
ما يراه شاب في الثلاثين ليس ما يراه رجل في الخمسين مثلًا، حتى لو وقفا أمام المشهد ذاته، وحتى لو سكنت الفكرة نفسها عقليهما معًا.
لهذا تضيف الخبرة إلى الفكرة طبقات جديدة من المعنى، وتمنح السنوات الإنسان زوايا نظر لم يكن يعرف وجودها أصلًا.
قد أرى في المطر قصة حب، بينما يرى الخمسيني في المطر أرشيفًا كاملًا من الوجوه والأصوات والانتظارات.
وقد لا يرى مطرًا على الإطلاق؛ ربّما يراقب عمرًا مرَّ تحت هذا المطر، وأخذ معه شغفه وبعض أحلامه.
المطر نفسه، والفكرة نفسها، لكن العين التي تنظر إليهما ليست هي نفسها.
لهذا أعتقد أن المشكلة لا تكمن في شح الأفكار، إنّها في اعتقادنا أننا ننتظر فكرة استثنائية.
فالأفكار موجودة حولنا دائمًا، مبعثرة على الأرصفة، ومخبأة في التفاصيل الصغيرة، وموزعة بسخاء على الأيام العادية.
الذي يتغير حقًا هو الإنسان الذي يلتقطها.
أتساءل اليوم:
ماذا سأكتب بعد عقدين من الآن؟
هل سأرى ما أراه اليوم؟ أم سأكتشف أن الأفكار كانت تمر بجواري منذ زمن طويل، لكنني لم أكن قد عشت بما يكفي لأفهمها وألتقطها؟

