قراءة نقدية في قصة (زهرة البنفسج) للقاصة عائشة محمد محمد آل جليحة

قراءة – عادل النعمي
النص
عيادة زهرة البنفسج
داخل حيّ الورود، حيث تقع عيادة زهرة البنفسج، المجاورة لحديقةٍ يأسر منظرها الأنفاس، يصرخ في الممرض صرخةً تخبر الجميع أنه موجود في هذا المكان!
فيهرع إليه الممرض مسرعًا، فيطلب رؤية الطبيب على عجل ودون موعد سابق، وهو يتحدث بصوت مرتفع أن الدواء الذي صُرف له لم يُجدِ نفعًا مع حالته!
أتى رجل أنيق وأخبره أنه هو المسؤول عن هذه العيادة، ويشرّفه خدمته، وسوف يكون علاجك على حساب العيادة. “المهم ألّا تغضب، سيدي، أرجوك، وطلباتك مجابة!”
قبل المريض بذلك، على أن يدخل بنفسه إلى رئيس الأطباء ، هو لا يعلم أنه يتحدث مع مالك العيادة شخصيًا!
عمّ الصمت والترقّب أرجاء المكان، وتجمّد كل من في العيادة، حرفيًا تجمّدًا تامًا؛ حركات الجسد، النظرات، التمتمة على الشفاه… الكل يرقب ما سوف يحدث تاليًا! فهذه العيادة من أحدث العيادات المتميزة في المنطقة، التي يمتلكها ذلك الطبيب الثري… ومرتادوها إنما هم من أفخم طبقات المجتمع وأرقاها.
يفضّل أن يزور عيادته كل يوم، ويجلس في الزاوية نفسها متأملًا المراجعين.
يريد أن يدخله دون حجز موعد، فيعترض طريقه الممرض المسؤول عن حجز المواعيد والدخول، ولكن عندما رأى نظرة الإصرار أفسح له الطريق.
يحاول الطبيب التعامل مع الأمر ليحجز له موعدًا، لكنه ربما فقد طريقة الحجز، أو أن النظام بات جديدًا عليه.
فيساعده الممرض في ذلك، ثم يعود ويجلس المريض في مقعده بكل هدوء.
وقد أعطاه الممرض ورقة تحمل رقمًا، فيأخذها ويقول بصوتٍ مدوٍّ: “على الأقل حصلنا على موعد في نفس اليوم، وليس بعد عدة أسابيع، لولا صراخي وإصراري لما تمكنت من ذلك!”
قام الطبيب يريد الذهاب، ولكن عندما نظر إلى المريض والتقت الأعين، قال المريض: “نعم، أعني ما قلته”.
جلس الطبيب على الكرسي المجاور للمريض، ونظر في عينيه، واتجه بكامل جسده نحوه ليسمع ماذا لديه، فقال الطبيب: “الكلمة التي قد ننطقها إما تجرح أو تداوي”.
ثم استأنف: “كل شيء يكمن في التفاصيل”.
حسنًا… أنت ترتدي ما أظنك تعتقد أنه جاكيت جميل، وربطة عنق منمقة بلونها الزيتوني، وبنطال جيد… لكنني لا أرى الجمال في أيٍّ منها؛ لأن من يرتديها لا يتمتع بجمال داخلي حقيقي يدل على الوقار واحترام الشخص والمكان.
يضع يده على شفته، ثم يشير إلى حذائه ضاحكًا:
ـ حتى تنسيقك له لم تتوفق فيه، من أشار عليك بارتدائه؟ كم أن تفاصيلك تشبه أخلاقك… قديمة، مهترئة، وألوانها باهتة.
لتكون مثلي يجب أن تكون فريدًا، ذو أخلاق رائعة، وذوق جميل… أقصد بالذوق هنا الحقيقي؛ ما بداخلك، لا الموضة.
من يراك وأنت ترتدي ساعة فخمة، وتتعطر بـ Dior، وتعرف ما يجب عليك قوله وفعله… فأنت لا تتظاهر بالتواضع.
فالكبرياء هنا سمة عامة، لا تغضبنا، بل تجعلنا متفوقين… نتعامل مع بعضنا بأريحية، ونتوقع تصرفات بعضنا.
فمثلًا: أنا بارد، وأنيق، وصبور، ويصعب الوصول إليّ، غير متفرغ دائمًا، لا أرد على الرسائل الخاصة أبدًا، مهتم بنفسي، أمارس هواياتي، وأعيش يومي ببساطة.
موهبتي أنني متكبر ومحترم، وذو مال، وكذلك ذوق متفرد، ويعاملني الناس كملك… ملك لسبب وجيه.
ولكن أنت… ماذا؟ أنت ماذا؟ والمصيبة أنك حجزت في نفس اليوم، ودخلت، وحصلت على علاج مجاني من عيادتي.
وقف الطبيب ومضى… وأرسل رسالة إلى زميله بأن لا حاجة للخروج في نهاية عطلة الأسبوع للمكوث على الشاطئ، فقد فرّغ جميع أحاسيسه السلبية هذا الأسبوع.
القراءة النقدية…
في (زهرة البنفسج) تكشف القاصة عائشة محمد محمد آل جليحة عن موهبة سردية لافتة، وعن حس قصصي نادر يعرف كيف يلتقط المشهد اليومي العابر ويحوله إلى مساحة نفسية نابضة بالمعنى والتوتر.
ما يلفت منذ السطر الأول ليس الحكاية وحدها، بل قدرة الكاتبة على الإمساك بإيقاع المشهد، وتوجيهه بثقة حتى يبلغ ذروته دون أن يفقد تماسكه.
يملك نص عيادة زهرة البنفسج طاقة سردية لافتة منذ لحظته الأولى، ويقوم على مفارقة درامية تُبنى بهدوء وتتصاعد تدريجيًا حتى تبلغ ذروتها في نهاية تشبه الصفعة النفسية.
النص لا يكتفي بسرد حدث داخل عيادة، بل يحول هذا الحدث اليومي العابر إلى مواجهة إنسانية مشحونة بالرمز والتوتر والانكشاف الداخلي… ومن يقرأه بعين نقدية تتعامل مع البنية والأسلوب والدلالة، سيجد نفسه أمام عمل ينهض على عدد من الجماليات السردية الواضحة التي تمنحه حضوره الخاص.
تتجلى أولى هذه الجماليات في المفارقة الدرامية التي يتأسس عليها الفصل الأول؛ فالمريض يدخل المكان غاضبًا، يرفع صوته ويطالب بحقه ويظن أنه يواجه موظفًا عاديًا من موظفي العيادة، بينما الحقيقة التي تنكشف لاحقًا أن الشخص الذي كان يخاطبه هو مالك العيادة نفسه.
هذه المفارقة تمنح النص توترًا داخليًا متصاعدًا؛ لأن الشخصية تتحرك داخل المشهد وهي تجهل ما يعرفه القارئ لاحقًا، أو تكتشفه متأخرة عنه.
إنها مفارقة قائمة على سوء التعرّف؛ السلطة تقف أمامه مباشرة، لكنه لا يراها! ومن هذا الالتباس تنشأ جاذبية المشهد وقوته المسرحية.
أما العيادة نفسها فلا تبدو مجرد مكان تجري فيه الأحداث، بل تتحول إلى فضاء رمزي مغلق أشبه بمسرح نفسي مكتمل العناصر. الانتظار، المقاعد، الممرات، الصمت، الممرض، أرقام الدخول، العيون المترقبة، والنظرات المتبادلة؛ كلها تفاصيل لا تؤدي وظيفة وصفية فقط، بل تشارك في صناعة الجو النفسي للنص.
المكان هنا لا يعالج الجسد بقدر ما يكشف الطباع البشرية ويختبرها تحت الضغط ( الغضب، الاستعلاء، الطبقية، الحاجة إلى الاعتراف، الإهانة، والرغبة في الانتصار) كلها تنكشف داخل هذا الحيز المغلق، حتى تبدو العيادة أقرب إلى مختبر اجتماعي تُفحص فيه النفوس لا الأجساد.
ومن أجمل ما يقدمه النص كذلك قدرته على توظيف الصمت بوصفه عنصرًا سرديًا لا يقل تأثيرًا عن الحوار.
في الفصل الثاني، حين يعم الصمت والترقب أرجاء المكان، يتباطأ الإيقاع فجأة، ويبدو المشهد كأنه لقطة سينمائية معلقة في الهواء.
الأجساد تتجمد، النظرات تثبت، والهمس ينقطع. الجميع يراقب ما سيحدث، وهنا لا يتولد التوتر من الكلام، بل من انقطاعه… من ذلك الفراغ الذي يسبق الانفجار. وهذه تقنية سردية شديدة الذكاء؛ لأنها تجعل الصمت نفسه جزءًا من الحبكة.
ثم تأتي لحظة انقلاب السلطة، وهي من أقوى نقاط النص وأكثرها إحكامًا.
في البداية يبدو المريض وكأنه الطرف المنتصر؛ يفرض حضوره بالصوت، يتجاوز النظام، يدخل دون موعد، ويحصل على ما يريد. لكن البناء السردي يقلب هذا الميزان في الفصل الأخير بالكامل.
فجأة يتحول من صاحب اليد العليا إلى شخص مكشوف نفسيًا أمام الطبيب، والمفارقة أن الطبيب لا يعاقبه عقابًا مباشرًا أو إداريًا، بل يواجهه بكلمات تعمل كمشرط نفسي يكشف ما تحته… هنا لا تكون الضربة: (اخرج من العيادة) بل ما هو أعمق من ذلك بكثير: (لقد رأيتك من الداخل)…. ومن هذه النقطة تتحول الإهانة من موقف اجتماعي إلى لحظة وجودية مؤلمة.
وفي الفصل الثالث تحديدًا يبلغ النص ذروته عبر الحوار بوصفه تحليلاً نفسيًا.
خطاب الطبيب لا يؤدي وظيفة الحوار التقليدي، بل يأتي أقرب إلى قراءة داخلية للشخصية المقابلة له.
هو لا ينتقد الجاكيت أو الحذاء أو الساعة بوصفها أشياء مادية، بل بوصفها إشارات تكشف الداخل النفسي لصاحبها.
الملابس هنا تصبح لغة ثانية للشخصية، والمظهر الخارجي يتحول إلى امتداد رمزي لما يسكنها من اضطراب أو فراغ أو ادعاء، وكأن الطبيب لا يمارس الطب، بل يمارس نوعًا من التحليل النفسي عبر التفاصيل المرئية.
وعلى مستوى المرجعية الأدبية، يلامس النص أكثر من تقليد عالمي في الوقت نفسه… فهو يذكّر بقصص أنطون تشيخوف في قدرته على تحويل موقف يومي بسيط داخل فضاء محدود إلى مواجهة نفسية وإنسانية عميقة.
كما يقترب من مسرح هارولد بنتر في اعتماده على الصمت المشحون والتوتر المختبئ تحت الكلام، حيث يبدو الحوار عاديًا في ظاهره لكنه يحمل في داخله تهديدًا نفسيًا خفيًا، وفيه أيضًا شيء من عالم فرانز كافكا، لا من جهة العبث، بل من جهة الإحساس بالمؤسسة المغلقة التي تحكمها سلطة غير مرئية، وبشخص يبحث عمن يملك القرار قبل أن يكتشف متأخرًا أن السلطة كانت أمامه منذ البداية.
وإذا انتقلنا إلى القراءة الرمزية للنص، فإن المعنى يتسع أكثر، فالعيادة ليست عيادة فحسب، والمريض ليس مجرد مريض، والطبيب ليس طبيبًا فقط! يمكن قراءة المريض بوصفه صورة للأنا الغاضبة التي تريد أن تُثبت حضورها بالقوة، والعيادة بوصفها المجتمع بنظامه الصارم وطبقاته غير المرئية، والطبيب بوصفه سلطة هادئة واثقة من نفسها لا تحتاج إلى رفع صوتها كي تُفرض.
أما العلاج الذي لم ينفع، فيبدو أقرب إلى الوهم الذي نتمسك به ونظن أنه سيغيّرنا، بينما المواجهة الأخيرة تمثل لحظة الانكشاف القاسي أمام مرآة الذات.
ولهذا يمكن القول إن (عيادة زهرة البنفسج) لا تروي حادثة داخل عيادة بقدر ما تكتب مشهدا رمزيا عن الإنسان حين يدخل طالبًا علاجًا، ثم يخرج وقد اصطدم بنفسه.
إنه نص قصصي يقوم على مفارقة سردية ذكية، ويمزج بين المسرح النفسي والسخرية الاجتماعية والرمزية الداخلية، ويحول واقعة يومية عابرة إلى مواجهة طبقية ونفسية تكشف هشاشة الإنسان في اللحظة التي يظن فيها أنه انتصر، بينما كان مكشوفًا منذ البداية.


