يا مجنون …!

بخيت طالع الزهراني
لطالما كان الخيال الشرارة الأولى لكل اختراع عظيم. فما يحيط بنا اليوم من طائرات وهواتف وشاشات، بل وحتى صعود الإنسان إلى القمر، لم يكن يومًا أكثر من أفكار بدت مجنونة في لحظة ما. ومع ذلك، تحوّل ذلك الجنون إلى واقع ملموس غيّر شكل الحياة….
لو عاد أجدادنا إلى حياتنا اليوم لأصيبوا ربما بالجنون. صندوق حديد كبير في جدار الغرفة “المكيفات” يحوّل الحرّ الخانق والرطوبة إلى برودة – أو إلى دفء لذيذ، وقطعة أخرى أصغر في أيدينا “الجوال” تمكّننا من التحدث صوتًا وصورة مع شخص في أقصى الأرض.. كانت هذه وغيرها … حكايات لا تُصدَّق في الماضي، فإذا بها اليوم واقعًا يوميًا مألوفًا.
لكن مهلا …
فمراكز الأبحاث ما زالت تواصل هذا الجنون الجميل، تمدّ الخيال إلى أقصاه لتمنح الإنسان خدمات نظنها اليوم ضربًا من الوهم. ومن بين تلك الأفكار ما يراد له أن يتحقق قريبا…
مثلًا: المدن الطائرة؛ مدن كاملة معلّقة بين السماء والأرض، تضم بيوتًا وشوارع وحدائق، بعيدة عن الازدحام والتلوث. تستمد طاقتها من الشمس، وقد تبقى ثابتة أو تتحرك في فضاء الأرض، لتفتح أمام البشر أفقًا جديدًا للعيش.
الخيال الجامح لا يتوقف عند ذلك، بل يمتد إلى آفاق أكثر إدهاشًا. فالسيارات الحالية، بكل ما تحمله من فخامة وتقنيات، ستغدو يومًا ما أثرًا من الماضي، ولن يستخدمها إلا قلة محدودة. سيمتلك – الجيل القادم – بدلًا منها مركبات طائرة شخصية، تتحرك في الهواء بسلاسة، يقودها الذكاء الاصطناعي، وتحملهم من مدينة إلى أخرى دون ازدحام أو إشارات مرور.
سيحدّدون مسارها بكلمة أو لمسة، فترتفع المركبة، تختار المسار الأكثر أمانًا وكفاءة، وتهبط بهم حيث يريدون. لن تكون الرحلة مجرّد انتقال، بل تجربة هادئة وذكية، تغيّر مفهوم السفر اليومي، وتعيد تشكيل علاقتهم بالمسافة والوقت.
أيضًا من الجديد المدهش، الروبوتات العاطفية، مما يغيّر مفهوم الحياة اليومية. فهي روبوتات قادرة على فهم مشاعرنا والاستجابة لها، تشاركنا اللحظة وتخفف وطأة الوحدة. يمكنها مساعدة كبار السن، وتتحول إلى رفقاء دائمين يُعتمد عليهم؛ تروي لهم “سالفة” فيبتسمون، ويردّون “بسالفة” أخرى، نستمع بهم دون ملل وتؤنسنا ساعاتهم الطويلة. نتبادل القصائد، ونتشارك النكات والخواطر، فتمنحنا تلك الروبوتات دفئًا إنسانيًا جديدًا، عندها لن تكون التكنولوجيا مجرد أدوات صمّاء، بل شركاء لطفاء يجعلون الحياة أسهل وأكثر حميمية.
في مجال الطب، يمكن للأجهزة الذكية مراقبة أجسامنا باستمرار. شريحة مزروعة داخل الجسم تعرض أحشائنا وأعضائنا الداخلية على شاشة في أيدينا، وتحدد الأعراض وتعطي الدواء مباشرة بطريقة دقيقة وآمنة. هذه التكنولوجيا تجعلنا أقرب إلى السيطرة الكاملة على صحتنا، وتقلل الحاجة للطبيب.
خيال آخر يذهل، وهو استعادة القوة البدنية في أي عمر. في المستقبل، يستطيع الشخص في السبعين استعادة قوة جسم شخص بعمر 40 سنة، وبمرونة عضلاته وقوة عظامه، بحيث يمكنه ممارسة الرياضة والجري ورفع الأثقال، ليعيش حياة أكثر نشاطًا وحيوية كما كان في نشاط الأربعين.
وأخيرًا وليس آخرًا، دعونا نتنبأ بالملابس الحية (الذكية) معطفك أو قميصك أو ثوبك لن يكون مجرد قطعة قماش، بل قطعة ذكية تتفاعل معك ومع الجو من حولك. فعندما تهبّ الرياح الباردة أو تشعر بالبرد، يصبح المعطف دافئًا ويحتضنك بالحرارة التي تحتاجها، وعندما ترتفع درجة الحرارة أو تدخل إلى مكان حار، يبرّد جسدك تلقائيًا.
ليس هذا كل شيء، فالملابس قد تتحرك قليلًا لتعطيك إحساسًا بالراحة، كأنها جزء منك؛ فالأكمام تضبط نفسها لتغطي ذراعيك أو تتركها حرة، والقماش يلين أو يشدّ حسب وضع جسمك. الملابس ستصبح ليست مجرد أداة، بل رفيقًا ذكيًا يعزز شعورك بالراحة والحرية.
وكما ترون ….
فكل هذه الأفكار تعدُنا بالمذهل، وتشير إلى أن الخيال المجنون اليوم قد يصبح واقعًا في الغد. وهذا بالضبط ما أتوقعه، بل وأكثر….
إن أعجبتكم هذه الرؤى “فبها ونعمت”….
وإن رأيتموها مجرد وسوسة، فأرجو إلا تفكروا في طبع «كيّة معرّقاه» في قفاتي ..!



