ليلةٌ ازدان فيها المجد بالعطاء… وصبيا تزف أبناءها إلى المستقبل على أجنحة الوفاء

كتب: حمد دقدقي
في وطنٍ جعل الإنسان أولًا، وأعلى من قيمة البناء قيمة الإنسان، تتجدد صور العطاء كلما أثمرت الرعاية نجاحًا، وكلما تحولت المبادرات الإنسانية إلى مناراتٍ تُضيء دروب المستقبل. وفي هذا المشهد الوطني المشرق، كتبت جمعية رعاية الأيتام بمحافظة صبيا صفحةً جديدة من صفحات المجد، وهي تحتفي بتخريج أبنائها وبناتها، في أمسيةٍ استثنائية احتضنها بيت الثقافة بمنطقة جازان مساء الأحد الثاني عشر من يوليو 2026م، الموافق السابع والعشرين من المحرم 1448هـ، وسط حضورٍ كبير تقدمه مدير مركز التنمية الاجتماعية بجازان الأستاذ أحمد عزيز، وعددٌ من المسؤولين والشركاء والداعمين والإعلاميين وأسر الخريجين.

ولم يكن الحفل مجرد مناسبةٍ لتسليم الشهادات، بل كان لوحةً وطنيةً وإنسانيةً تجلت فيها قيم الوفاء والتكافل، حيث انطلقت مسيرة الخريجين والخريجات بخطواتٍ واثقة، تتقدمها الأحلام التي كبرت على دفء الرعاية، وتعالت معها تصفيقات الحضور في مشهدٍ يختزل سنواتٍ من الصبر والاجتهاد والإصرار على صناعة المستقبل. ثم ارتفعت نغمات السلام الملكي، وتُليت آياتٌ من الذكر الحكيم، ليبدأ احتفالٌ ازدانت تفاصيله بمعاني الانتماء والامتنان.
وفي كلمةٍ حملت صدق الرسالة وسمو المقصد، أكد رئيس مجلس إدارة الجمعية الأستاذ ناصر الحازمي أن هذا الإنجاز ليس نهاية طريق، بل بداية رحلةٍ جديدة نحو صناعة المستقبل، وأن كل نجاحٍ يحققه أبناء الجمعية هو ثمرةُ رؤيةٍ آمنت بأن بناء الإنسان هو الاستثمار الأسمى، مقدمًا شكره العميق لشركاء النجاح والداعمين الذين أسهموا في رسم الابتسامة على وجوه الأبناء والبنات، حتى أصبح الحلم حقيقةً تُرى، والإنجاز قصةً تُروى.

وتجلت رسالة الجمعية في عرضٍ مرئي استعرض مسيرتها وأهدافها ورؤيتها، كاشفًا عن نموذجٍ تنمويٍ رائد يؤمن بأن رعاية اليتيم لا تقتصر على توفير الاحتياجات، بل تمتد إلى صناعة الشخصية، وغرس الثقة، وتمكين الإنسان ليكون شريكًا فاعلًا في نهضة وطنه، وليثبت أن العطاء الحقيقي لا يقف عند حدود الإحسان، بل يمتد إلى صناعة الأمل.
وألقى الطالب ياسر جيلان كلمة الخريجين، فكانت حديث القلب إلى القلب، عبّر فيها عن اعتزاز زملائه بهذه اللحظة التاريخية، ورفع أسمى آيات الشكر لكل من كان سببًا في هذا النجاح، مؤكدًا أن التخرج ليس نهاية المسير، بل أول الطريق نحو خدمة الدين، ثم المليك، ثم الوطن.
وفي أكثر مشاهد الأمسية تأثيرًا، وقف أحد الأطفال بكلماتٍ عفويةٍ صادقة، ليرسم ببراءته صورةً إنسانيةً هزّت الوجدان، حين تحدث عن اليُتم وما تركه من فراغ، ثم وجّه شكره لأمهاتٍ حملن رسالة التربية بصبر، ولجمعيةٍ احتضنت أبناءها بالمحبة والرعاية حتى غدت لهم سندًا وأملًا، في لحظةٍ امتزجت فيها دموع التأثر بابتسامات الفخر.

ولأن الفرح يكتمل بابتسامة، جاءت الفقرة الفكاهية التي قدمها زياد زيلعي لتضفي على الأمسية أجواءً من البهجة، قبل أن تبلغ المناسبة ذروة تألقها في لحظة التكريم، حيث تسلم الخريجون والخريجات جوائزهم وشهاداتهم، كما كُرّم شركاء النجاح والداعمون، بحضور الأستاذ أحمد عزيز، والمهندس أحمد خواجي، والأستاذ ناصر الحازمي، في مشهدٍ جسّد الوفاء لكل يدٍ صنعت هذا الإنجاز، قبل أن تُختتم الأمسية بصورٍ تذكارية ستظل شاهدةً على ليلةٍ استثنائية حفرت مكانها في ذاكرة الجميع.
لقد أثبتت جمعية رعاية الأيتام بمحافظة صبيا أن الأوطان العظيمة تُقاس بقدرتها على صناعة الإنسان، وأن الأيتام في المملكة العربية السعودية يحظون برعايةٍ كريمة تستمد قوتها من قيم الإسلام، وتحظى بدعم القيادة الرشيدة، حتى غدت مؤسسات العمل التنموي والخيري جسورًا تعبر بالأحلام إلى فضاءات الإنجاز.
وهكذا أسدل الستار على ليلةٍ لم تكن احتفاءً بالتخرج فحسب، بل كانت احتفاءً بانتصار الإرادة، وبثمرة العطاء، وبقصة وطنٍ لا يترك أبناءه خلف الظروف، بل يمد إليهم يد الرعاية حتى يقفوا على منصات النجاح، مرفوعي الهامة، مؤمنين بأن الإنسان هو الثروة الأغلى، وأن العلم هو الطريق الأجمل إلى المستقبل، وأن العطاء الصادق يبقى خالدًا ما بقيت في الحياة معاني الرحمة والوفاء



