الأولى

رؤية في الإصلاح بين الناس

الصلح حاجة إنسانية منذ وجدت البشرية وحثت عليه الشرائع السماوية، وقد أطر الإنسان للصلح بين أبناء المجتمع من خلال سن التشريعات والقوانين وفق ما يؤمن به من معتقد ويسوده من العادات والتقاليد، وأشتهر بين العرب رجالات علا شأنهم في القيام بالصلح ونشر ثقافة التسامح في مجتمعاتهم وقد عد العرب هذا العمل “الإصلاح” من مكارم الأخلاق ويحفل التراث العربي بالكثير من الحوادث والقضايا الكبرى التي كان للصلح والمصلحين الفضل في نهايتها السعيدة .
وفي دين الإسلام أصبح الصلح من الشعائر التي حث الله عليها عباده في أعلى وأخطر القضايا ( النزاع المسلح ) حيث قال الله تعالى )وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ)) ومن ذلك الصلح في الخلافات الزوجية قال الله تعالى ( وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبير ) .
وفي مجتمعنا لعل من أكثر الأمور التي تورث الخلاف بين الناس هو التنازع في الأموال وعلى وجه الخصوص ( المواريث ، وحدود العقار) ومهمة الإصلاح في مثل هذا التنازع قد يؤديها الفرد بحكم المسؤولية من خلال عمله أو بحكم مكانته في المجتمع ، والإصلاح في هذا الجانب له بالغ لأهمية لما له من المردود في استقرار المجتمع وتوثيق صلة الأرحام وحفظ حسن الجوار ، قال الله تعالى ( لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً0 وهذه المهمة الإنسانية ليس كل أحد يوفق فيها لأن الوعد ( وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) وقليل ما هم الذين يوفقون إلى إخلاص النية وتكون مرضاة الله الغاية والمقصد لهم ، والملاحظ أن الغالب هم ممن يحكم الهوى أو يأخذ الأمر بعدم المبالاة خاصة إذا كان يؤدي الإصلاح في إطار مهام وظيفته مما جعل الشحناء والبغضاء تدب بين الناس في المجتمع وتتسبب في الكثير من المشاكل .
فما هي الصفات والمتطلبات في المصلح الذي يرجى أن ينفع الله به ؟
يجب أن يكون ممن عرف عنهم حسن الخلق في المجتمع وسعت المدارك والمعرفة بأحوال المجتمع وأن يكون بليغا يحسن الاستشهاد بآيات القران الكريم والحديث الشريف وينبغي قبل مباشرة الإصلاح أن يعرف كل ملابسات الدعوى وأحوال أطرافها وأن يقدم مرضاة الله في إبداء الرأي .

ولذلك فان المجتمع الذي يريد الرقي بنشر ثقافة التسامح والحث على مكارم الأخلاق في البر وصلة الرحم وحسن الجوار لن يعجز سواء على مستوى المؤسسات أو على مستوى الأفراد داخل المجتمع أن يجد الخيرين المتقين الذين تتوافر فيهم تلك الصفات والمتطلبات .فهل لنا أن نتكاتف في مجتمعنا لنفعل العمل بهذه الشعيرة ( الإصلاح بين الناس ) كما أمر الله وأوصى رسوله صلى الله عليه وسلم .؟

فرج بن حسن الزهراني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com