تدوينات

قرون البامية

محمد الرياني

في الماضي كانت لنا غرفة صغيرة مربعة مقاس ٤×٤ أمتار وكنت أراها في عيني قصرًا ، بها موقد للطبخ نسميه طباخة نسقيها بالقاز ، لونها أخضر ، ومعنا وسريران عتيقان مصنوعان من جذوع شجر السدر ومن سعف النخل ، وعلى أحد الجدران رفَّان من الخشب نرصُّ عليهما بعض احتياجاتنا اليومية .

ظلت غرفتنا مأوى لنا نفتح شباكها الوحيد لنرى ضوء الشمس في النهار ، ونستلذُّ بالهواء مع لحظة الإشراق أو عند الضحى والأصيل ، وكان لنا جيران رائعون في الحي يأتي بعضهم بين وقت وآخر في الصباح لينثروا عطر حديثهم مع نسيم الصباح ، وليقتسموا معنا طعم الحلوى البيضاء والحمراء ، أو قطعًا من بسكويت الميزان ، وبعض أيام يأتون معهم باللبن والخبز الأحمر من التنور .

لا أنسى وجه جارتنا في الصباح وهي تلقي تحية الصباح ، ولم يغب وجه جارتنا الأخرى وهي تنثر ضحكتها ومزاحها مع كل كلمة عذبة ، كل هذا في الغرفة الصغيرة ، أو تحت ظلها الفاخر .

كان موقد الطبخ عندنا لا يحتمل أكثر من قدر معدني واحد تضع فيه أمي قليلًا من الأرز حتى إذا ما استوى واقترب نضجه زينته من أعلى بحبات من قرون البامية الخضراء وأخرى من الفلفل الأخضر أو الأحمر مثل تيجان جميلة على رؤوس الحسان .

ينضج الطعام في الغرفة الصغيرة بينما الهواء العليل يدخل من الباب الشمالي والطباخة الصغيرة بجوارنا تتضوع أنفاسها بعد إغلاق محبس الوقود ، والهدوء يسيطر على كل شيء ، وطعم الأرز مع البامية هو سيد الحوار على لساني ولسان أمي .
يمضي النهار ويقترب الليل بنجومه وأما القمر فنراه من فناء غرفتنا أعظم مساحة بيضاء تصنع الفرح.

عاشت غرفتنا عمرًا مديدًا لتصنع الفرح على مسرح الحياة ببطلين اثنين ؛ أم بسيطة وفتى صغير ومعهما آلة لتحضير الطعام في قاعها حوض يُسقى بالقاز كي يشتعل ومعه تشتعل الحياة .

مرَّ الزمن وغابت غرفتنا عن المشهد ، وحضرت مكانها غرف متعددة وتعددت مشاغلنا ، فلم تعد تحضر جارتنا القديمة ولم تحضر ابتسامات الصباح العتيقة لتؤنس علينا اجتماع الصباح .

غاب القِدر المعدني الذي زينت أرزه قرون البامية وحبات الفلفل الأخضر والأحمر .

كانت لنا غرفة صغيرة ولكنها في نظرنا تشبه كوكب الأرض في اتساعه يتسع لكل حالات الهناء .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com