تدوينات

حينَ تنامُ المُدُنُ في جيبِ مِعْطَفِكَ

فيروز مخول

لا أحدَ يعرِفُ…

كيفَ تُطوى العواصِمُ بينَ أصابعِكِ
كخَرائِطَ مُبَلَّلَةٍ بالحَنينِ
ولا أحدَ رأى كيفَ….
تُدَفِّئُ بَردَ المَسافاتِ بِقَبْضَةٍ واحِدَةٍ
كأنَّكِ تُشْعِلينَ نَجْماً في جيبِكِ الدّاخليِّ وتَنسي.

حينَ تَنامُ المُدُنُ في جيبِ مِعْطَفِكِ
تَغفو الأرْصِفَةُ مُطْمَئِنَّةً
تُطْفِئُ المَقاهي أنفاسَها الأخيرةَ
وتَهْمِسُ الشُّرُفاتُ لِلرِّيحِ:
“لَقَد عادَتْ الّتي تَعرِفُ أسماءَنا.”
كُلُّ إشاراتِ المُرورِ تَنْحَني إجلالًا
تَتَوَقَّفُ القِطاراتُ احْتِراماً لِلغَيْمِ الَّذي يَتْبَعُكِ
وتَبْتَسِمُ المَصابيحُ كأنَّها تَتَذَكَّرُ وَجْهَكِ مِن حُلْمٍ سابِقٍ.

في جيبِكِ الأيسرِ —
المُمَزَّقِ بِرَعُونَةِ العُشّاقِ —
تَنامُ ستوكهولم كعُصْفورٍ مُهاجِرٍ فوقَ كَتِفِ القَلْبِ
وتَتَّكِئُ عمّانُ على أنفاسِ القُدْسِ
أمّا دِمَشْقُ……
فلا تَنامُ.
هي تَرْقُدُ بهُدوءٍ
وتَزْرَعُ الياسَمينَ في بَطانَةِ المِعْطَفِ
تَبْعَثُ بِعِطْرِها إلى المُدُنِ الأُخْرَى
كأنَّها أُمُّهُنَّ جَميعاً

المطرُ لا يَسْقُطُ حينَ تَمُرّينَ
هو فقط يُصْغي لِخُطُواتِكِ.
أمّا الزَّمَنُ….
فهو يَتَأَخَّرُ عَمْداً كَي لا يَسْبِقَ ظِلَّكِ.

كُلُّ مَدِينَةٍ تَعْرِفُكِ بِطَرِيقَتِها:
دِمَشْقُ خَبَّأَتْكِ في وَرَقَةِ ياسَمينٍ عَلَّقَتْها خَلْفَ البابِ
القُدْسُ كَتَبَتِ اسمَكِ على مِئْذَنَةٍ تُغَنِّي لِلْحِجارَةِ
تُونُسُ وَضَعَتْكِ في قَهْوَةِ الصَّباحِ
وستوكهولم زَرَعَتْكِ في شَجَرَةٍ تَنْتَظِرُ رَبِيعاً يُشْبِهُكِ.

وحينَ تَخْلَعينَ مِعْطَفَكِ وتُعَلِّقينهُ على مِشْجَبِ الغِيابِ
تَتَبَعْثَرُ المُدُنُ على الأرضِ كَرَسائلَ بلا ساعٍ.
تَبْكِي الأزِقَّةُ بِصَمْتٍ
وتَسْقُطُ زَهْرَةُ ياسَمينٍ مِنَ الجيبِ…
فَتَعودُ دِمَشْقُ لِتَجْمَعَ أَشْلاءَ عالَمكِ مِن جديدٍ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com