مطارد ومطرود

ما كانت خوافق الليالي عابرة عند اثنين:
فيلسوف لا يمل التساؤل، يطرح السؤال بعد السؤال، ويحلل المعنى في أثر المعنى، ويتقلب ما بين ضجعة وجلسة، ووقفة ومشية. وكيف يطيب له مرقد، وإجاباته مفتوحة حرة، لا قرار لها ولا قيد يقيدها. فتأتي الواحدة مترددة خجلى، تجر في أذيالها سؤالات أخرى، ولو قضى عمره للوقوف على مراده منها، لفر العمر من بين أيامه فرا.
وشاعر لا تريحه خيالاته، وتجره العاطفة من يدي قلبه جرا، وتطوف به في عوالم السحر فيهنأ. تتقاذفه القوافي من كل جانب، وتغرقه البحور بلا شاطئ. فلا يقع ناظره على شيء من الجماد، أو الطبيعة، أو الإنسان، إلا ورأى فيها لألاء حبيب غائب، أو ذكرى صديق راحل، أو ساعات طواها الزمن الدابر. فيظل ليله يجهش بالبكاء، ليس بعبرات عينيه، وإنما من دمعات معانيه وأشعاره. فلا ينقضي به ظلام، ولا يطلع عليه نور، إلا وقد استهلك من حياة روحه ما استهلك، ونكأ من جراحه وتعذب. فلا يرجو إلا نومة يفر بها من عذابه حتما.
فرحمتك اللهم لفيلسوف يطارد المعنى، وشاعر تلاحقه المعاني.
الكاتبة: هنادي تركي العتيبي



