علي فقندش .. “عراب” الصحافة الفنية وذاكرة النغم الجميل

الاتجاه – جدة
في أروقة مؤسسة “عكاظ” العريقة بجدة، وقبل أن تغزو التكنولوجيا المكاتب، كان هناك صوت رنين هاتف لا ينقطع، وضحكة مميزة يتردد صداها بين المكاتب. خلف ذلك المكتب المزدحم بالأوراق والصور النادرة، يجلس رجل استطاع أن يبني جسراً من الثقة بين “صاحبة الجلالة” وبين عمالقة الفن العربي. إنه علي فقندش، الذي لم يكن يوماً مجرد صحفي، بل كان شريكاً في صناعة المشهد الثقافي والفني في المملكة.
من حواري جدة إلى قمة الهرم الصحفي
وُلد علي فقندش وفي قلبه شغف لا يهدأ بالكلمة والنغم. بدأ مسيرته في وقت كانت فيه الصحافة الفنية تُعامل كنوع من “الترف”، لكنه استطاع بذكائه وحسه الإنساني أن يحولها إلى توثيق تاريخي جاد. ارتبط اسمه لعقود بجريدة “عكاظ”، حيث تدرج فيها حتى أصبح رئيساً للقسم الفني، تاركاً بصمة لا تمحى في مدرسة الصحافة الميدانية.
“الصديق” قبل “الصحفي”
ما يميز فقندش عن غيره هو شبكة علاقاته التي لم تكن مبنية على المصالح الصحفية العابرة، بل على الصداقة والوفاء. هو الرجل الذي يثق به محمد عبده، وكان مقرباً من الراحل طلال مداح، وجمعته ذكريات لا تُنسى مع بليغ حمدي ووردة الجزائرية.
يُعرف عنه أنه “أمين أسرار” الفنانين؛ فكم من خبر ملكه وكان بإمكانه تصدر العناوين، لكنه آثر الحفاظ على الود والصداقة، مما جعله مرجعاً أولاً لكل من يبحث عن الحقيقة في زمن الشائعات.
الموثق والأديب
لم يكتفِ علي فقندش بالمقال اليومي، بل أدرك مبكراً أهمية التوثيق. أصدر عدة مؤلفات تُعد مراجع أساسية في المكتبة الفنية العربية، لعل أبرزها سلسلة “أوراق من حياة الخالدين” و**”هم وأنا”**. في هذه الكتب، لم يكتب عن الفنانين كنجوم بعيدين، بل كتب عنهم كبشر، بآلامهم وآمالهم وتفاصيل حياتهم التي غابت عن الكاميرات.
التواضع خلف الأضواء
رغم شهرته الواسعة وتكريمه في العديد من المحافل والمهرجانات العربية، ظل علي فقندش ذلك الإنسان البسيط والمضياف. هو “الأستاذ” الذي تتلمذ على يديه أجيال من الصحفيين، والقلب الكبير الذي يفتح أبوابه دائماً للمواهب الشابة، موجهاً وناصحاً بصدق ومحبة.
يبقى علي فقندش حالة خاصة في الصحافة العربية؛ فهو يجمع بين دقة المؤرخ، وفراسة الصحفي، ورقّة الفنان. وحين يُكتب تاريخ الفن في الجزيرة العربية، سيظل اسم “أبو محمد” محفوراً كواحد من أهم حراس الذاكرة الفنية الذين وهبوا حياتهم لخدمة الثقافة والجمال.








