هل يموت الإنسان بتوقف قلبه… أم حين تُنسى قصته؟

بقلم: فيروز الحاسي
قراءتي لرواية ظل الريح لكارلوس زافون…
فكرة تبدو في ظاهرها شديدة البساطة ولكنها عميقة الأثر، ففي رواية ظل الريح يحاول ك.ز أن يغرس فينا إيماناً بأن الإنسان لا يبقى حياً بجسده، بل بما يتركه في ذاكرة الآخرين، لذلك يقول في إحدى اقتباساته: “مادمنا نتذكر، فإننا أحياء”.
وتؤكد نوريا، وهي إحدى شخصيات الرواية هذا الكلام بقولها: “نحن نستمر في ذاكرة من يحبوننا، أذكرني دائماً، حتى في سرك أو في إحدى زوايا قلبك”.
ومنذ أن أغلقت أخر صفحة، لم تعد لي الرواية مجرد حكاية وانتهت، بل سؤال ظل يرافقني، ودفعني إلى البحث في المقالات والأوراق البحثية والنقدية التي تناولت الرواية.
للوهلة الأولى تبدو ظل الريح للقارئ بأنها بوليسية، ولكنها في حقيقتها بديكور قوطي، تدور حول الماضي الذي يرفض أن يموت ويظل يطارد أصحابه حتى بعد مرور سنوات وتبدل الأحوال.
ولعل كلمة قوطي (Gothic) تستحق مني التوقف وشرحها لك عزيزي القارئ، هذه الكلمة تعود نسبتها إلى القبائل الجرمانية التي سكنت شمال أفريقيا، واشتهرت تاريخياً بدورهم في سقوط الإمبراطورية الرومانية عام 410م بقيادة الأريك، وأطلق الرومان لقب القوطي على الشخص المخرب الهمجي.
ولكن المفارقة العجيبة هو استخدام هذه الكلمة لاحقاً لإحدى اساليب الفن في أوروبا كالعمارة “الهندسية القوطية”، التي كانت أشهر سماتها الأقواس المدببة ونوافذها الزجاجية الملونة وأبراجها الشاهقة وممراتها الطويلة وأسقفها العالية التي تبعث في النفس البشرية الرهبة ممزوجة بالإعجاب.

في القرن الثامن عشر انتقل هذا الحس إلى الأدب فأصبحت الرواية التي تدور أحداثها في القلاع الكبيرة والأديرة القديمة والممرات المظلمة والبيوت التي تخفي الأسرار تُعَّرف بالرواية القوطية، ولكنني في رأيي الخاص أرى إسقاط من نوع آخر فالمباني المظلمة والكبيرة الشاهقة تحمل في طياتها رمزية الخوف من الماضي والأسرار التي يرفض الماضي دفنها.
ولهذا يعد النقاد والقراء ظل الريح بأنها رواية بروح قوطية، فمنذ ولوجك لعالم ظل الريح وفي صفحاتها الأولى تجد نفسك في برشلونة التي يلفها الظلام بسبب شتائها الطويل وضبابها، ومكتباتها القديمة التي تشبه المعابد، بطراز قوطي، وأحياء قديمة وأسرار لا تموت وماضي يطارد أصحابه بلا رحمة.
وقبل أن أكمل ماتبقى من مراجعتي، دعني أُضيف إلى معلوماتك بأن ظل الريح ماهي إلا الجزء الأول من رباعية تسمى مقبرة الكتب المنسية، وبرغم عنوان السلسلة الذي يشير إلى الكتب، إلا أنها لا تتحدث عن الكتب بل تستخدمها استعارة عن البشر والذاكرة الجمعية للمدينة.
فالكتاب الذي لا يقرأه أحد يشبه الإنسان الذي لا يتذكره أحد. وبذلك يقودنا زافون بأسلوبه السردي الفلسفي إلى رمزية الرواية : كيف ينجو الإنسان من النسيان؟
أما عن عنوان الرواية ظل الريح، من فضلك صديقي القارئ، أعد قرائتها وتمعن في معناها قبل أن أنهى حديثي إليك.
فهوا بالنسبة لي من أكثر العناوين ذكاءً، فالريح لا تستطيع أن تمسك بها، والظل لا يتكون إلا بوجود صاحبه؛ كذلك هي الحقيقة في رواية ظل الريح، كلما ظننت أنك كدت تقترب من حل لغز الحكاية، تكتشف أن ماعرفته لم يكون سوى جزء صغير من الصورة.
ولعل أكثر ما استوقفني ورحتُ أبحث عنه داخل أروقة المقالات النقدية للرواية، هوا هندستها السردية العجيبة التي صممها زافون، إذ لم تكن أحداثه مبنيه على خط زمني مستقيم بل عبارة عن متاهة من الحكايات المتشابكة، الأمر أشبه بصندوق داخل صندوق، رواية داخل رواية، والأجمل بأن زافون لا يكتفي بجعل القارئ متلقي كسول، بل يوظف القارئ ويحوله إلى شاهد ثم محقق ثم قاض، تجمع الأدلة بنفسك، وتشك في شهاداتهم ثم تغير أحكامك كلما ظهر خيط جديد للرواية.
وفي خلال رحلتي في قراءة المقالات ومراجعات القراء والأوراق البحثية التي تناولت الرواية وعناصرها، وجدتُ جلهم توقفوا عند لغة زافون في الرواية، فهي ليست شاعرية متكلفة ولا بسيطة مباشرة، بل لغة سينمائية تمتزج فيها الرواية الكلاسيكية بالحس القوطي والوصف البصري الحسي، فمثلاً حين يصف ك.ز شوارع برشلونه لا تكتفي بتصميم الصورة داخل مخيلتك فقط بل تذهب لأبعد حد، حيث تشم رائحة الكتب المحروقة عند اقتراب لايين كوبرت من دانيال أو رائحة الحجارة القديمة عندما يبللها المطر.
وأخيراً وصلنا للنهاية
صحيح بأني انتهيت من الرواية ولكنني لم أخرج منها، تركت في داخلي حالة من الوجد، وجعلتني أقطع على نفسي عهداً بأنني كلما قرأت كتاباً لكاتب رحل عن دنيانا أو لم ينل مايستحقه من الانتشار والشهرة، سأكتب عنه، لعل كلماتي تقود إليه قارئاً جديداً فيُطيل من عمره ويظيف إليه روحاً جديده، ويظل حياً في ذاكرة الآخرين ولا يلتهمه الإهمال.
وبهذا أكون وفيه لزافون وماغرسه في هذه الرواية، فالكلمات لا تحفظ الأفكار والخيال فقط بل تحفظ أصحابها من النسيان.
……
(*) كاتبة من ليبيا



