وتمضي ليالي خريف العُمر !

كتبها : أحمد الحازم*
مع دخول فصل الخريف اقف امام الشجر وكالعادة اتنفس الرياح الباردة وأراقب تساقط اوراق الشجر ويأخذني الحنين الى.. هُنا في هذه الارض الجبلية والطبيعة الريفية النقية التي لم تعكر صفو سمائها صخب المدن يمر طيف العفوية والالعاب التي كنت اصنعها واحقق احلامي الكبيرة بمجرد ان اقوم بثني أسيام المعادن واشكل المستقبل و لا يفصلني عن الفرح بكل شي جميل قمت بصنعه الا ان يسكن الليل واغفو بابتسامه واعتزاز بما حققت ذلك اليوم على صوت امي وهي تردد الأدعية وتمر على كامل جسدي وتغطئه عن الرياح الباردة .
وحينما تطفئ والدتي نور الفانوس يبدأ الخيال يخطط لغد على اصوات قطرات المطر التي تسقط على سطح المنزل الخشبي تغفو تلك الليلة وتغفو الليالي دون هم أو حزن او تفكير في دين أو حتى احقاد على احد، وتمضي ليالي الخريف تقطف احلامنا الى مكان مجهول، كبرنا .. وتغير كل شي، ولم تعد الايام تلك المتجاهلة لم تعد تمر بألوانها الجميلة لازلت طفلاً ولازلت صديقاً لشروق حيث لا تخلو شجرة من عش صغير اتابعه واضع علامات به بأنه مُلكي، لازلت اتابع غيوم الغروب وتشكيلاتها واسافر بين الشمس والغيم الى عمق النجوم حيث اجدني هناك.
اشتدت الرياح وزارنا الشتاء الذي اخذني لدفء والحب الذي كان غريباً وجميلاً كل ما اعرفه هو انني احب كل شيء وأيقنت تماماً ان قلبي يخفق لشريك حياة هو من يستحق تلك العاصفة من المشاعر والحنين، ولم يكن لدي عقبات في ذلك حيث ان كل شئ كان تلقائياً فطرياً حتى انه لا يشترط ان تكون من تعشقها فاتنة لأنه في ذلك الوقت كانت الارواح هي التي تتجاذب، كل شيء كان يحفز لبناء مستقبل وتكوين أسرة جميلة تتصل بأحلامك وتنتمي لطفولتك الجميلة ولم يدم طويلاً فصل الشتاء قد كان زائراً سريعاً لا يستوعب التجارب القصيرة والبحث عن قلب توأم لقلبك ولم تكن الفترة كافية ليرحل الشتاء ويأتي ربيع العمر الذي كان مختلفاً كل شيء تراه وتلمسه وتشعر به ولكن بلا الوان ولم تكن لوحة العمر التي تجسد الربيع ذات الوان ولم استطع قطف الزهور ولم استطع شمها ولم يكن كل شيء على ما يرام سوى انني انظر لكل شيء باهتاً وحينما اغمض عيناي اسمع انفاساً تتسارع بداخلي وأهرب اليها حتى اجد ذلك الطفل المسجون في قفص الماضي.
يصرخ… اين انا انتظرني.. لن اغيب عنك كثيراً وأعدك ان اشكل هذا الربيع الرمادي بأجمل الألوان اعدك بذلك امهلني ما تبقى من العمر وسأعود إليك لتفرح. اعدك بأن اسكن معك بداخلي ولن اتركك ابداً، لقد اسرفت في تركك.. رغم علمي بأنك لا تعيش بدوني.. سأعود إليك بكل شيء اختطفته الدنيا وسأحاول.
لن أيأس ابداً قررت ان اقف بما تبقى من العمر في حقيبة سفري الأخير حيث البحث عن مكان بالوجود قررت الصمود هذه المرة حتى لو اشتدت عواصف الخريف واستطعت بعون الله ان اكتب احلامي من جديد ليستقبلها الله بالحفاوة و الاستجابة . استطعت ان اقطف زهرة رائعة هذه المرة واستطعت ان احتفظ بها في حقيبتي مكللة بالتحقيق لأعود إلي، حيث انني لم انتظر شتاء باقي العمر وعدت وانا اركض الى الطفل السجين لأبشره بأنني انتصرت وضحكت لنا الدنيا هذه المرة واثناء ركضي كانت اوراق الزهرة تذبل حتى تساقطت واحده تلو الأخرى.
اين انا.. انت في داخلي لا تخرج.. سنبقى سوياً .. افرح .. ما الذي يزعجك… اهدأ.. لا يفهمك سواي ولا يفهمني سواك… هل نحتاج الى من يصنع لنا ابتسامه؟ دعنا نكمل رحله هذا العمر مع بعضنا البعض.. لأننا آمنا انا وانت انه لا تنجح الشراكة، وقد تتحقق الشراكة ولكن ليس بالضرورة ان تكون ناجحة.. لن نرفض احداً يهدينا قلباً مُحباً مخلصاً ولكن لن نكون اخلص منا لنا.. ولن نستطيع العيش بالخارج لطالما وسائل الحياة متوفرة بالداخل واخيراً لن نبحث عن جمال الخارج… لطالما جنتنا عالمنا الداخلي.. فقط دعنا نغفو على اصوات قطرات المطر تحت سقف ذلك البيت الشعبي الخشبي.
فنان سعودي*



