الأولى

“أحمد بن جبران” علم من اعلام ربوع الصفح

كتب : عبدالحي الغبيشي
علم من اعلام ربوع الصفح الشاعر الفذ أحمد بن جمعان ابن جبران أو ” أم ” جبران كما كان يحب هذه التسمية هو والأخرون – رحمه الله – والذي يعده الكثير من ابناء المنطقة ومنهم الادباء والمثقفون والنقاد والمهتمون بحركة الشعر الشعبي عموما مدرسة شعرية فريدة تباينت فيها ملامح ومقومات وسمتها بالخصوصية فاضحت ظاهرة شعرية غنائية شهيرة ولقد ارتبط اسمه بهذا اللون الذي من مقوماته عذوبة معاني الشعر وانتقاء الالفاظ وجمال الصوت وبراعة الاداء فيما يعرف طرق الجبل وهذا اللون يكثر فيه الرمز والغموض فقد ساعدت هذه الخصوصية في عدم التصريح باسم الحبيب وذلك لحفظ وصيانة المجتمع من التعدي على الاعراض وعدم خدش حياء المجتمع فشعراء هذا اللون لا يبدؤون قصائدهم بأسماء النساء كما يفعل شعراء النظم وانما يستخدمون عوضا عن ذلك الاشياء الثمينة كالذهب والفضة والجوخ والصيد بأنواعه والشمس والقمر والنجوم والنباتات العطرية والفواكه كالرمان واللوز والتفاح والحنطة والتمر وغير ذلك وهو فن ما يجيد أداءه الا القليل فشاعرنا كان يستخدم طريقة الملالة والموال والتي تعتمد على مد الصوت والاطالة إضافة إلي مساندة البيئة بما يسمى صدى الصوت, وقد تشابكت تلك المقومات فرسمت ايقاعاً ساحراً ابى ألا يضيع أو يختفي حيث مازال يتغنى الناس إلى وقتنا هذا بأشعار ابن جبران واستعذبوها فأذكر عندما كنت صغيراً كان احد افرد قبيلته ويدعى رمضان يصعد جبل الفوقاء والسرين ويشدو بلحنه قصائد ابن جبران على طرق الجبل وكأن السامع يشعر ان الجبال تطرب له وتعكس صداء الصوت مما كان يستوقف الرعاة والزراع في وادي حندلة، وكأنما تضافرت مقومات البيئة وتناغمت لتجعل من هذا الفن موورثاً شعبياً
ومن المعروف ان شاعرنا هو احمد بن جمعان من مواليد قرية ربوع الصفح كانت ولادته في العقد الثامن من القرن الثالث عشر الهجري تقربياً , وتوفي رحمه الله سنة 1354هـ وترك اسرة كريمة ممتدة من ابناء واحفاد منهم من نال درجة الدكتورة ومنهم اساتذة وغير ذلك . كان يجيد القراءة والكتابة، فيبدو انه تلقى تعليمه الاولي على يد بعض فقهاء عصره ، فشب عن الطوق مصطحباً قريحة متقده شحذها بوافر من الصور والمشاهد الطبيعية في بيئته صقلت حسه المرهف فركَّب صورا بيانية غاية في الجمال والالوان البديعية ، ويغلب على شاعرنا طابعاً نفسياً استشفيته من خلال قراءتي لقصائده والتي ألمح فيها تذبباً بين التفاؤل والتشاؤم واللوم وجلد الذات فأرى ان له عالم خاص يقبع فيه، فيولي حرفته الزراعة كل اهتمامه، فلم يعبأ بالكثير من قضايا مجتمعه آنذاك وكانت كثيرة وعليها فقد جاءت معظم اشعاره في الغزل وهو المجال الذي استهواه فا ستخدم جل مفردات الطبيعة ومكوناتها من حوله ، فنجده تارة يشكو بثه إلى الله وتارة يشكو الشجر والمدر والشمس والقمر والطير والحجر وتاره يشكو من البعد والحرمان وتاره من العذال واخرى من الحبيب وتارة يلوم نفسه ويهني للشمس والقمر التي تصبح وتمسي على وجه محبوبته كما يهني للأشياء التي تلمسها يد حبيبته، ومرة يتشأم من عاشور ومن قحم على عين يجده في الصباح ، وعموماً فطابع شعره الغزل العفيف لا الصريح فيخلو شعره من الاسفاف والبذاءة , فهو يشبه شعر الموشحات الأندسية وهوما يعرف لدي النقاد بشعر التفعيلة وهي المقاطع التي تتفق في آخرها بتفعيلة محددة تنتهي عندها تتكرر بعد كل فاصل أو مقطع ويستخدم البيان من جناس واستعارة وكذلك البديع من سجع وتورية وله العديد من القصائد منها رائعته والتي مطلعها يابنت صين الصين
يابنت صين الصين والمضحك ربابي واللون صــفـري ومـابـي

وعنقـهـا ياعـنـق صـيـد راس قله قـلـه للمجمول قـلــه
وعـينـهـا العـوام والا عـيـن دابـــي لادرج بيــن الهدابي

وصدرها ياهيـكل مصبوب مصبوب فـيــه بســم الله مكـتوب

وخصـرها يا خاتم منقوش الاطـراف والـحـبايـس لبـس الاشراف

وثغـرها يامبــرق في عـرض نــاوي يـالـلـه توقيــه الدعـاوي

وساقها يامرود السلطان حـافه لـيــت مـن بالعـين شـافه

بطـون رجليـها كما اسبال النجادا يــوم يعـطي الله وجــادا

ذا رايــها يحـــــــــزن وذا مـاراي مغـــــــــبـون
بدأ وصف محبوبته بقوه مستخدماً النداء فناداها ببنت صين الصين كناية عن البياض فالمحب منادي وقد شبه ثغرها البسام وريقها بدبس التمر كما شبه لونها بلون التمر الصفري والحنطة المابية مستخدما الواناً من بيئته وكان لونها احمراً مشرئباً بصفرة وهذا التشبيه ذهب اليه احد الشعراء العباسيين قال ( بيضاء في دعج صفراء في نعجٍ& كأنها فضة قد مسها ذهبُ) ثم ذهب إلى عنقها وهو احد مفاتن المرآه وصفه برقبة غزال يعتلي صخرة مرتفعة كما وصف عينيها لعوام على الماء الصافي الزلال وحركة عينيها الحذرة بحركة عين الداب وصدرها وقوامه المتماسك بالهيكل المصبوب وكانه قالب مستدير مرسوم يتحجى عليه ويبارك له باسم الله ثم ذهب إلى قدها الاهيف وقد صفه بالخاتم المنقوش وهي صوره بيانيه كنايه عن الصغر والدقة كما ان اصبعها تضيف مسحة جمالية على الحبائس التي تلبسها ووصف ثغرها بوميض المبرق اذا لح في ظلمة الغيوم وسقاقيها المستورتان بالمرود و ختم بأن وصف بطون ارجلها بحدر الضأن النجدية فقد تعرض ابن جبران لوصف جمالها مبتدءاً من مضحك وجهها منتهيا بجمال قدميها ولم يغادر شيئاً لولا حياؤه وعفته مما يوكد ميل غزله إلى العفيف منه إلى الصريح تعرض وصفها إلى اخمص قدميها لمضحكها ولونها وعنقـهـا وعــينـهــا و صــدرها . وخصــرها و ثغـرها و ساقـــها و بطون رجـليــها وقد اورد الجناس في جميع ابيات القصيدة وكذلك كرر النداءات والمحب منادي وختم بوصف الحالتين لمن رآها ومن لم يرها وكأنه عارض ببيت ابن الرومي:
ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت وقع السهام ونزعهن أليم
نجد شاعرنا يذهب إلى تهامة وبالتحديد في حلق وادي رما ويسأل عن بيت محمد المدسوس كعادات المشاهير في كل زمان ومكان يتوادون ويتزاورون والمدسوس هذا ثائر اشتهر بالشجاعة والفروسية والكرم والشعر من قصائد( عزنا بالله وما طرق الببطر& بنقليزن يورد النهل شاربه ) كذلك سريع البديهة كان في ضيافة ناس وسئل عنه فأجاب أ حدهم : هو الذي مُدرق خلف الزافر فرد بهذه الابيات (من يقول ادرق في فيت الزافر ماندرق تحت فيات المراتينا) والشاهد انه اقام له مناسبة وتقارع الشاعران ووجه له اللوم والعتاب ناصحاً له بالاعتدال وعدم الاسراف في الهوى واعتبرها امر مشين خاصة في تلك الفترة – قبل الحكم السعودي- التي كثرت فيها النزاعات و الحروب والتجاذبات السياسية بين الحكومات كالأشراف وال عائض والأدارسة كلها تريد السيطرة على بلاد غامد وزهران ولكن تبين من رد شاعرنا على المدسوس انه لم يكن محباً بل متيم حيث القى باللائمة علي ولي امر محبوبته حيث كان السبب في كل ما جرى له كما يتبين فنيا من رده انه مازال غارقا في امنيته التي لم تتحقق بعد فانهال دعاءً على ولي امر محبوبته لأنه يرى فيه سبب محنته
وفيما يلي البدع والرد:
ياخي أحمد أم جبران كثر الحب سفالة واقتدار الحب نفاله
والوارش إلى على الخلايق غم قوله ذاك ناموساً وطوله
لوكان بفقد به حلالي ماعليه لو قالوا ذا وليه
وإلا يكن في ساحة أهله جار دايم
عسى ولي الهيل ياجي الحبس فاله وإلا يعجل بالوفاء له
وأقول ياقبارته ذا غم قوله واهبوا مية قامة بطولة
وجبل إبراهيم وصلحب صليه وشدا وأجبال ليه
ونيس الجرد فوق قبره جار دايم
وقد جمع وأعد الاستاذ الكاتب محمد بن زياد الزهراني اشعار ابن جبران واصفاً له بزعيم الغزل في بلاد غامد وزهران في ديوان جمع فيه اشعاره في الغزل والتي كان لها نصيب الاسد من الديوان والذي ختمه بقصيدة دينية فيها ابتهال الى الله، وقد استخدم ابن زياد ا اسلوب الوصف التحليلي لشخصية الشاعر كما تعرض لخصائص شعره ونقده واكتفي في جمعه وترتيبه بشرح مفردات القصائد مكتفياً بذلك بطريقة سلسه سهلة تأخذ القارئ بدء شروعه في القراءة إلي ان ينتهي من قراءته دفعةً واحده دون ان يشعر وتلك احدى مواهبة، وقد حوى الديون جل قصائد ابن جبران التي استطاع الاديب ان يحصل عليها واردف في صفحة الغلاف الاخيرة هذه الابيات والتي ثار الجدل حول احدى مفردتها والتي فيها يجسد العتاب بين عينه وقلبه والتي هي:
قال أحمد بن جبران ياطرفِي الزهُوقا
كم نهيتك ما تنهْويت
لكن ما أنت العيب قلبي بؤرة العيب
أنت ماهلاًّ رسولا
يرسلك لِنًّه من ورى الأضلاع وازي
هذا والله من وراء القصد والهادي إلى سواء السبيل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com