الأرجوحة التي لم تكن له

هيفاء علي نورالدين
قصة قصيرة
لم يكن الوقت متأخّراً، لكنه بدا كذلك.
السماء معتمة رغم أن الشمس لم تغرب بعد. ربما لأن الغيم الرمادي قرر أن يُقيم طويلاً فوق هذا الحيّ، أو ربما لأن العيون حين تتعب، ترى كل شيء قاتمًا.
أنجيلو كان يسير ببطء.
في التاسعة، لكنه لا يعرف كيف تبدو التاسعة حقًا في حياة الأطفال الآخرين.
كان يعرف فقط أنّ الكيس الأبيض حين يمتلئ، يصبح أثقل من عمره، وأن العلب الفارغة ليست دائمًا خفيفة كما تبدو.
جرّ الكيسين بصوت يخدش الرصيف، تمامًا كما كانت أمه تخدش صمت البيت حين تسعل ليلًا.
وصل أمام الحديقة. وقف. على الجهة الأخرى من الشارع، كان العالم يحدث. ضحك. صراخ.
حركات خفيفة لأقدام تركض على العشب.
طفلة تمسك بيد أبيها، وأم تنادي: “لا تبتعد يا ماركو!”
ثم ذلك الشيء الأزرق الذي يلمع تحت الشمس، الزلّاقة.
أنجيلو لم يركض يومًا نحو زلّاقة. لم يجربها. لم يلمسها. لم يُسمح له حتى بالاقتراب. لكنه وقف هناك، يراقب.
طفل يرتفع بخفة، يصرخ وهو ينزلق، يضحك، ثم يركض من جديد.
أنجيلو اكتفى أن ينظر. عيناه واسعتان، ويداه صغيرتان جدًا على أكياس البلاستيك. لكنه لم يتحرك.
أحدهم لمحه.
امرأة ترتدي معطفًا طويلًا وتحمل قهوة باردة. نظرت إليه للحظة، ثم نظرت بعيدًا، كما لو كان شيئًا عابرًا في خلفية لوحة لم تكتمل. هو لم يشعر بالإهانة. هو اعتاد ألا يُرى.
في لحظة، تساءل: لو ركض نحو الزلّاقة، هل سيُسمح له؟، هل سيضحك؟، هل سينزلق؟، هل سيناديه أحد باسمه؟
آه… اسمه. كم من الوقت مضى منذ ناداه أحد دون أن يطلب منه شيئًا؟
شعر بالكيس يثقل ذراعه. شدّه للخلف كأن الحياة تمسكه من قلبه. تنهد. مضى. لم يلتفت. لم يركض. لم يحسد.
هو فقط مضى، كما مضى كثيرون قبله، يحملون أوزانهم ويصمتون.
في الجهة الأخرى، ظلّت الزلّاقة تلمع. وفي السماء، كانت أول نجمة تظهر، لا تعرف بعد ماذا ترى تحتها.
أنجيلو لم يكن يريد أن يلعب. كان فقط يريد لحظة… لا يطلب فيها أحد منه أن يكون رجلًا صغيرًا، في عالم لا يتذكر الطفولة إلا في الإعلانات.



